Alef Logo
ابداعات
              

نقد / حمام بغدادي ليس للمتعة والاسترخاء

مديحة المرهش

2006-04-09

عن وزارة الثقافة، مديرية المسارح والموسيقا، المسرح التجريبي، وعلى مسرح صالة الحمراء بدمشق عرضت مؤخراً مسرحية -حمام بغدادي- من تأليف وإخراج وسينوغرافيا المخرج العراقي جواد الأسدي، وأظن أن هذا العرض جاء بعد زيارته للعراق بلده الأم. العرض حتماً هو من نوع خاص. عرض ليس للمتعة والاسترخاء، عرض متميز بما طرحه وقدمه، هو تنبيه لحواسنا النائمة ولعوالمنا الميتة أو ربما التي هي في نزاعها الأخير.

تيمة العمل ليست معقدة، يجسدها بطلا العمل فايز قزق ونضال سيجري على الخشبة في ديكور خاص متميز يظهر لنا جواً خاصاً لحمام بغدادي. البطلان مجود ( مجيد ) وحمود ( حميد ) أخوان يعملان كسائقي باص كل على حدة، موظفان عراقيان مقهوران ومسحوقان، طول العرض نراهما يتنازعان يتحاوران يتجادلان، يتعاتبان، يتعانقان، يتضاربان إلى درجة الأذية والإصابة، فقد ظهر حمود الأخ الأصغر بلصقة طبية على أنفه عن جراء ضرب أخوه مجود.
النص يحكي عن أناس حقيقيين في المجتمع العربي، في أي بلد عربي وليس بالضرورة بغداد - العراق المواطن العربي من أي شريحة أو من أي طائفة كان متورط سياسياً حتماً. لا يمكن أن تفصل السياسة عن الناس مهما كانت مرتبتهم الاجتماعية. الشريحة التي قدمها المؤلف – المخرج هي متدنية اجتماعياً وثقافياً -إذا صح القول- وليس لها علاقة بالسياسية لا من قريب ولا من بعيد. البطلان مجود وحمود لا يهتمان لشيء إلا بأمور الحياة المعيشية الصغيرة, تأمين لقمة العيش والستر بأدنى الحدود, وإن كان الحد الأدنى بالنسبة لهما مختلفا فمجيد حسن وضعه المادي بعد أن قدم تنازلات كبيرة فيما حميد ظل يقبل بالحسنات التي يقدمها مجيد له. ومنذ بداية العرض يتكشف لنا حمود طيب القلب، ومجود شخصية لعوب ماكرة مسيطرة.
باختصار هما طرفا معادلة تشرح ما يجري حقيقة بعد الغزو الأمريكي في العراق. كلاهما ودون أن يعرفا بالذي اقترفته أيديهما شاركا بوصول العراق إلى ذلك الذي يحدث الآن. حمود استعار باص أخيه وأجره لفرع مخابرات في النظام استغله لينقل مساجين سياسيين ويقتلهم ثم يدفنهم في قبور جماعية رغبة بالحصول على بعض المال، والثاني مجيد يؤجر باصاته الآن في اللحظة الراهنة لقوات الاحتلال لاستخدامات متعددة، حمود يرفض وبشكل قاطع تعامل أخيه مع العدو، ويظهر وطنية عالية، في الحين الذي يعترف بأنه تعاون مع النظام وشاهد بأم عينه كيف تغتال المخابرات العراقية المواطنين العراقيين، فيما يدافع مجيد عن موقفه ولا يعبأ برأي أخيه في أن ما يفعله غلط، وأنه يساعد المستعمر في الاعتداء على الشعب العراقي.
إذا هما طرفا معادلة صعبة، وحقيقية، ونراها في الشارع العراقي وغير الشارع العراقي، ولكنهما معا يظلان مسحوقين وبعيدين عن حقيقة ما يجري حولهما، تتوضح الحقيقة لهما حين يغامران - بغية الغنى- بنقل أحد المرشحين الأغنياء الذي جاء من عمان ليرشح نفسه للانتخابات وهو يحمل الأموال الطائلة ليشتري بها ضمائر العراقيين، ولكنه يموت على الطريق وهو يغازل عشيقته، فيضعانه في تابوت ليبلغا به أهله في العراق، وما حصل في الطريق من منازعات وعراقيل جعلنا نشعر بأنهما تورطا، كما أحسا هما بذالك. وعرفا بأنه لم يعد هناك أمن أو راحة بال، إذاً الطريق ليست مفروشة بالورد ولا يمكن المتابعة. حمود الأخ الأصغر يظل دائماً في تساؤل مستمر، يسأل أخاه الأكبر عن كل شيء وأخاه الأكبر يجيب رغم أنه ليس بأفضل حال منه. ولكن إجاباته ضمن حدود مقدرته، ، يقف كل منهما حائراً، ضعيفاً لا يعرف كيف ولا من أين سيتابع طريقه، وهذا دليل الفوضى والعشوائية التي يعيشها المجتمع العربي. حينما تدخل الصالة وقبل أن يبدأ العرض يشد نظرك حتماً ذلك القماش الأسود الذي كان يغطي الجزء الخلفي من مقاعد المسرح، ويخطر لذهنك مباشرة أن جزءا من العمل سينفذ في تلك الخلفية، ولكنك وبعد أن تبدأ الحركة على المسرح تعرف تماماً أن المخرج قد تقصد ذلك ليشعرك بجو القتامة والسواد الذي يلفك من كل جانب، فأنت – شئت أم أبيت- جزء مما يحصل وخاصة في ظروف مثل التي نمر بها.
استخدام جواد الأسدي الحمام ليكون المكان حيث يقول مقولته، وكلنا يعرف أن الحمام هو المكان المخصص للتنظيف والغسل وإزالة الأدران، إذاً آن لنا أن نغسل وننظف دواخلنا، أن نقوّم اعوجاجاتنا، أن نقوم بفعل ما. وقد تكرر طلب "ليفة" الأب في الحمام لتستخدم في التلييف والفرك لنكتشف أنه حتى تلك الليفة والتي ترمز إلى ما قدمه لنا آباؤنا وأجدادنا من أصالة ومرتكزات قديمة لم تعد مجدية ونافعة يجب أن يكون هناك – ليفة - جديدة من نوع خاص لتغسل وتبعد كل القذارات وتمحو كل السواد المتأصل فينا.
وليس جديداً على جواد الأسدي تورطه بالسياسة – مسرحياً - فقد كانت أكثر عروضه تشهد على ذلك مثل رأس المملوك جابر، والاغتصاب وغيرها. ولكن جواداً لا يقحم أفكاره بل يمررها إلينا، يجعلنا جزءاً من العرض دون أن ندري، فحينما دوت أصوات الانفجارات بذلك الصوت العالي في العرض، كان ذلك قصداً، لتهزك، لتقفز من كرسيك فيقول لك المخرج: إنه المسرح يا حبيبي، فكيف إذا كان ذلك دوياً حقيقياً؟ كيف إذا كنت في عالم الواقع، ماذا ستفعل وقتها؟
استخدام مزيج اللغة الفصحى بالعامية العراقية أعطانا إحساسا بأن ما يجري أمامنا لا يجري فقط في العراق، وإنما يخص جميع العرب . جدارية جبر علوان لم تكن واضحة جدا بسبب الإضاءة ربما، ثابتة في خلفية الخشبة. و موسيقى رعد خلف كانت كما رعد دائما متميزة وتخدم العمل.
العمل يعكس كآبة وقتامة ووقاحة العالم ولكن الأسلوب الذي انتهجته الشخصيتان من تهكم وسخرية خفف من حدة السواد. ولأن المسرح كما يعرف الجميع هو الذي يظهر عمق وجودة شخصية الممثل ويجسد مقدرته الحقيقية، لم يخف على المتفرج الذي حضر – حمام بغدادي - ذلك التفاني بالأداء والعطاء للممثل فايز قزق وتلميذه سابقاً في المعهد العالي نضال السيجري. كان هناك صدق وجهد بكل ما قاما به. لقد أظهر الأستاذ والطالب براعة وحيوية أخاذة ونشاطاً موظفاً شيقاً جعلنا نحس بثقل أجسادنا على كراسي المسرح. لقد صار نادرا أن تخرج من المسرح منتشيا بأنك شاهدت عرضا مسرحيا حقيقيا، عرضا يشعرك بمسرح أيام زمان، مع عرض جواد خرجنا ونحن نحمل هذا الإحساس.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

لو أطالَ اللهُ عمرَ النَّبيِّ محمَّدٍ

09-كانون الأول-2017

سحبان السواح

توفِّيَ الرَّسولُ عنْ عمرٍ يناهزُ الثَّلاثةَ والستِّينَ عاماً، وكانَتِ الدَّولةُ الإسلاميَّةُ قدْ بدأَتْ تتشكَّلُ، والتَّوجُّهَ نحوَ العالمِ الخارجيِّ، بعيداً عنْ بداوةِ الصَّحراءِ، نحوَ مدنٍ ودولٍ أكثرَ تحضُّراً وثقافةً منْ ثقافةِ...
المزيد من هذا الكاتب

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

برقيات شعرية

18-تشرين الثاني-2017

قصيدتان

21-تشرين الأول-2017

الطريق إليك سكران

07-تشرين الأول-2017

أحرّك تائي الساكنة

08-تموز-2017

خواطر من أيام اللدراسة الثانوية

09-كانون الأول-2017

إلا أنني أستطيع التبوّل أيضاً .. وأستطيعُ الكتابة ...

02-كانون الأول-2017

قبل ربع قرن، مسرح صيدنايا السرّي

25-تشرين الثاني-2017

لأن الأغاني الحياة ولأني الحياة الحب أغني

18-تشرين الثاني-2017

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow