Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

صوفيا / ديلاني نولان ـ ترجمة

صالح الرزوق

خاص ألف

2013-06-22

تعرفت على بيسترا البلغارية لأنها شريكتي في الغرفة. كانت لها ابتسامة بغمازتين مع عينين سوداوين مثل أهل البلقان أجمعين. وخلال إقامتي في سوزوبول تقاسمت معها غرفة واحدة، و زجاجات النبيذ، و في الليل المثلج و البارد كنا نشترك بالنزهة على ضفاف الشاطئ.

فقد التحقنا معا بمؤتمر القصة الذي عقدته سوزوبول، و رأينا أمامنا هناك أربعة كتاب بلغار و أمريكيين يكتبون عن المثاقفة المنتشرة في حوض البحر الأسود. لقد كنا خليطا مضحكا فيه ملاكم و كاهن و مجرم. و لكننا جميعا تحلينا بروح دافئة و أخلاق حسنة. و خلال ورشات العمل كان لا بد من ترجمة قصصنا إلى اللغة السيريلية بحروفها العجيبة، لأن واحدا فقط من البلغار يتقن الإنكليزية التي تعلمها من أفلام ماكس المجنون.

في ليلتي الأخيرة، في بلغاريا، صحبتني بيسترا من المحطة الأساسية للقطارات في صوفيا حيث ينتصب عند البوابة تمثال تذكاري للشيوعيين. و قادتني بالسيارة إلى شقتها المتواضعة لتناول عشاء عائلي، ثم استضافتني طوال تلك الليلة. و بينما نحن في الطريق، مررنا من قرب التمثال القديم الذي يكرم الجيش السوفييتي، و الذي يصور عسكريا بروليتاريا بحجم هائل، و يحمل بندقيته المرفوعة لما فوق رأسه. و كان منحوتا من النحاس. أخبرتني بيسترا: إنه قبل سنوات رسم فنان غرافيك، على قاعدة التمثال، أشكالا ملونة تشبه الأبطال الأمريكيين المشهورين.. العدّاء و الرجل الأخضر و الرجل الوطواط.

و أضافت: معظم الناس أحبوا الفكرة، و لكن هذا أغضب المسؤولين في الحكومة.

ما أن دخلت بيسترا في مرآب تحت الأرض، تأوي إليه سيارات المبنى، و يشبه غيره، حتى أنه يصعب تمييزه مرة ثانية، شرحت لي إن ثلاثة أجيال من عائلتها عاشوا في هذه الشقة. كان المرآب مظلما و رطبا و أضواء النيون فيه تكافح لتشتعل، و لكن سرعان ما تنطفئ. تبعتها على السلالم، و كنا نقترب من رائحة طيبة لطعام يحضر في المنزل. و بالعكس من البهو القذر و الأجرد كانت شقة بيسترا التي تتقاسمها مع والدتها و جدتها أنيقة و مرتبة، و تزدهر بالألوان المشرقة، و لها شرفتان فيهما أشجار الوردة اليابانية و الجيرانيوم و الشجرة المكسيكية المسماة بوينسيتياس. و في داخل الغرفة لوحات و أقنعة و أبيات شعر معلقة على الجدران.

قدمتني بيسترا لجدتها، التي ابتسمت و هي تتأملني بعينها النفاذة. و رحبت بي بلغة هي مزيج من الفرنسية و البلغارية بينما كانت تضغط على يدي براحتها المتغضنة و الطرية. لم يكن بيننا لغة مشتركة. لذلك مرت كل كلمة من المحادثة من خلال بيسترا، و لكن هذا لم يضعف من حماستنا للكلام، و نحن نجلس حول الطاولة و نلتهم جبنة البلقان البيضاء مع الخبز المحمص و حساء الطراطور الذي كان في أطباق من زجاج. أضف لذلك أكوابا من عصير الأناناس الذي تنمو ثماره في حديقة صغيرة قرب المنزل.

أخبرت أم و جدة بيسترا كم أحببت سوزوبول، و أنا أنظر اليهما العين بالعين، و كنت أعلم أنه ليس بمقدورهما أن تفهما ما أقول ، فقد تابعتا رسم ابتسامة محايدة على وجهيهما و الإلحاح لأكل المزيد..

كانت جدة بيسترا مولودة في عام 1929، في الوقت الذي حكم به الملك بلغاريا، و حاولت أن أسألها عن حياتها في ظل الحكومة الشيوعية.

قالت الجدة: إنه لم يكن يوجد متسولون. نعم، كنا فقراء، و لكن مثل الجميع. كل الناس هنا عانوا من الفقر، و لذلك الأسعار رخيصة. و لكن لم يسمح لنا الاتصال بالأجانب، و لا حتى في عشاء رمزي من هذا النوع، لو عادت الأحوال لما كانت عليه، سوف يلقى القبض علينا جميعا.

كانت تتكلم بعبارات صغيرة، و هي تقشر التوابل، و تنتظر من بيسترا أن تنقل لي ترجمة ما تقول.

ثم تابعت: كنا نرغب بمشاهدة الأفلام الأمريكية، و لكن لم يسمح لنا إلا بالأفلام الروسية، و اعتقدنا أن لدى أمريكا أفضل ما في العالم. ثم جاء الرأسماليون، و أصبح أخيرا بوسعنا مشاهدة أفلام من أمريكا. يا الله! من دواعي السخرية أنها عديمة النفع و بلا قيمة تذكر.

و تحدثت كل من الأم و الجدة عن الزيارات القليلة للكنيسة حينما كان الدين مكروها و الإيمان نوع من المخاطرة. و في وقت لاحق سمعتا أن معظم رهبان صوفيا هم عبارة عن مخبرين لدى السلطات الشيوعية.

هل فكرت بالهجرة؟ هل حاولت مغادرة البلاد؟..

و ترجمت لي بيسترا الإجابة: حصلت على عرض للعمل في ألمانيا الغربية، و لكن لو أنها غادرت مدينتها، لن يسمح لها بالعودة مطلقا. و راقبت الجدة ملامحي و أنا أبتلع هذه المعلومات و أهز برأسي أنني فهمت ماذا تقول.

و في الصباح التالي، استيقظت قبل الفجر، و أخذت أهبتي لوداعهم. فعانقتني جدة بيسترا و هي برداء النوم، و تمنت لي رحلة سعيدة و قالت: بون فوياج ( 1). و ليرافقني الحظ الطيب وضعت في حقيبتي ورقة من نبات الجيرانيوم، كان ذلك النبات يدعى بالبلغارية здравец. ثم قالت لي زدرافيتس ( 2)، و تعني بالبلغارية لتكوني موفورة الصحة.

ثم قالت بيسترا و في يدها كأس: بقي تقليد معروف أخير. قبل القيام برحلة نلقي بعض الماء أمام طريق المسافر. هذا مدعاة للحظ الحسن.

و أراقت بعض الماء في الصالة فشكرتها، و حملت حقائبي، و ذهبت في طريقي خلال السلالم المعتمة. كانت عصافير الصباح تشدو في الأشجار، كانت مثل من يلهو بالزحافات في الحدائق العامة، و مثل الغسيل المنشور على الحبال، و مثل أبطال الخوارق الذين حلوا محل البروليتاريا، و مثل أشياء كثيرة موجودة في هذا البلد من زهاء عقود خيم عليها الكبت و القهر. ولكن ظهورها الآن دليل إثبات على وصول الحرية لكل زاوية من البلاد.



هوامش:


1- رحلة سعيدة باللغة الفرنسية.

2- في اللغات السلافية تستعمل هذه الكلمة للتحية بشكل عابر. مثل مرحبا أو رافقتك السلامة.

3- ديلاني نولان Delaney Nolan كاتبة أمريكية شابة نشرت قصصها في عدد من الصحف المتنوعة. و عملت بتدريس اللغة الإنكليزية في مدينة إسطنبول. الترجمة باتفاق مسبق مع الكاتبة.


ترجمة : صالح الرزوق- مراجعة و تدقيق: صباح الأنباري

























تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

هَلْ نعيشُ في عصرِ ظلامٍ إسلاميٍّ.؟

21-تشرين الأول-2017

سحبان السواح

"في وصيَّةِ "حبيبةِ المدنيَّةِ" المنشورةِ في هذه الصَّفحةِ مُتزامنةً مع فاتحتِي هذه؛ قالت "حبيبةُ" لابنتِها، قبلَ أَنْ تُهدى إلى زوجِها: "إني أُوصيكِ وصيَّةً، إِنْ قَبِلَتِ بها؛ سُعِدْتُ!.". قالَتْ ابنتُها : "وما...
المزيد من هذا الكاتب

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 7 / ترجمة

21-تشرين الأول-2017

مختارات من الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت5 / ترجمة: صالح الرزوق

07-تشرين الأول-2017

عن زبيغنيف هيربيرت ( 1924 – 1998)/ ترجمة:

30-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت 4/ ترجمة:

23-أيلول-2017

مختارات من قصائد الشاعر البولوني زبيغنيف هيربيرت2/السيد كوجيتو والخيال ترجمة: صالح الرزوق

17-أيلول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

بعنا الجحش واشترينا الطعام بثمنه

07-تشرين الأول-2017

حافظ الأسد.. ذاكرة الرعب

30-أيلول-2017

مات ( ع . خ )

23-أيلول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow