Alef Logo
المرصد الصحفي
              

ويليام بليك شاعر الثورة الميتافيزيقية ـ أنطوان جوكي

ألف

2013-06-20

لا شك في أنّ ويليام بليك (١٧٥٧ - ١٨٢٧) هو، مقارنةً بجميع الكتّاب الإنكليز الذين ظهروا خلال القرن التاسع عشر، الأكثر ثورية. ولا تكمن ثورته فقط في جمعه داخل كتاباته بين الكلام البسيط والشعبي للأغاني والفلسفة الأكثر تعقيداً، بل أيضاً في استباقه وتجاوزه المبادئ والأفكار التي انبثقت نتيجة الحركات السياسية والاجتماعية التي عرفتها أوروبا في زمنه. هذا ما يتجلى بوضوح في أعماله الشعرية التي حظيت بترجمةٍ جديدة أعدّها الشاعر الفرنسي الكبير جاك دارّاس وصدرت حديثاً لدى دار «غاليمار» الباريسية مرفقةً بالنصوص الأصلية وبمقدمة مهمة تبيّن عبقرية بليك ودوره الرائد في انبثاق الحداثة.

وفي بداية هذه المقدمة، يشير دارّاس إلى أن بليك سعى طوال حياته إلى وضع قراءة جديدة للكون تلعب المخيلة فيها دوراً مركزياً وترتكز على تجليات ورؤى تتجاوز حدود العقل وتعليلاته. وفي ذلك، يقترب من الكاتب السويدي سويدنبورغ الذي قرأه بليك بعمق قبل أن يسخر منه وينتقده في ديوانه الشهير «زواج السماء والجحيم». بعد ذلك، يلاحظ دارّاس أن عمل بليك الشعري تطوّر وتعقّد مع مرور الزمن ولم يأت ناضجاً وثورياً منذ بدايته، كما يشهد على ذلك ديوانه الأول «أغاني البراءة» (١٧٨٩) الذي كتبه بأسلوب ساذج مستعار من التهويدات وتأمل فيه برقة بالغة المرحلة الأولى من الطفولة.

ويأسف دارّاس لانحسار اهتمام قرّاء بليك بالنصوص التي كتبها بين عامَي ١٧٩٨ و١٧٩٤، أي «أغاني البراءة والتجربة» و «زواج السماء والجحيم» و «رؤى بنات ألبيون» و «كتاب يوريزن» و «كتب ثيل وتيرييل» و «النبوءات»، وإهمالهم القصائد الطويلة التي كتبها انطلاقاً من عام ١٨٠٠، أي «فالا» و «ميلتون» و «أورشليم»، بسبب التعقيد الكبير لسيناريواتها وشخصياتها، علماً أن هذه القصائد، مثل سابقاتها، تنتمي إلى النوع الملحمي والتنبؤي وتتميز بقوة شعرية وإيقاعية مذهلة تجعل من صاحبها أحد أكبر شعراء اللغة الإنكليزية إلى جانب شكسبير ومارلو ودون وميلتون.

وفي هذا السياق، يذكّرنا دارّاس بأن بليك هو أول شاعر إنكليزي تجرّأ على مخالفة قواعد النظم. فإلى حانب تغييره الثابت للإيقاع والبيت الشعري، تعكس كتابته الشعرية غنى سلّمه العروضي الذي يتضمن البيت القصير والبيت الملحمي الطويل وتنويعات لا تحصى حول البيت الخماسي التفاعيل. وفي السياق ذاته، يشير دارّاس إلى أن بليك هو أيضاً أول مَن تجرّأ على التلاعب بصور التوراة وعلى منحنا نسخة فريدة من سفر التكوين. وبالتالي، لا تركن قوة شعره فقط إلى طبيعة نظمه الحادّة وغير المنتظمة وإلى تشبيع جُمَله بالأفعال، بل أيضاً إلى غزارة صوره المنبثقة من مخيلته الجامحة.

ولدى قراءتنا هذا المجلّد، يتبيّن لنا أن بليك بدأ مساره الكتابي بسلسلة مبادئ كتبها عام ١٧٨٨ على ألواح صغيرة على شكل بيانات قصيرة أو أمثالٍ، وتستبق في شكلها ومضمونها تصريحات الثوار الفرنسيين.

بعد ذلك، سعى في ديوان «أغاني البراءة» (١٧٨٩) إلى إثبات وجود حالة طبيعية من البراءة لدى الأطفال حاول إشعارهم بها عبر توجيه قصائده إليهم، مدخلاً في ذلك الطفل إلى الأدب كحليفٍ للرومنطيقية وجاعلاً من الطفولة وسيطاً ورمزاً للعصور الجديدة أو للتجديد داخل العصر. وبعد تبنّي شعراء كثر مضمون هذا الديوان وتعبيرهم عن حنين إلى البراءة، مثل وُردوورث وكوليريدج، لن يلبث بليك في ديوان «أغاني التجربة» (١٧٩٤) أن يتمايز بشكل راديكالي عنهم عبر اعتباره أن «النمر لا يقل براءةً وجمالاً طبيعياً عن الحَمَل».


حقبة الأنوار

ولفهم هذا التطوّر في فكره، لا بد من التوقف عند ديوان «زواج السماء والجحيم» الذي كتبه بين عامي ١٧٩٠ و١٧٩٣ بأسلوب مقتضب ويتميز بشحنة انتهاكية لا سابق لها لانقضاضه فيه على حقبته، حقبة «الأنوار»، وعلى كل المفاهيم والقوانين والمبادئ الأخلاقية التي كانت سائدة خلالها، وعلى رأسها مفهوم العقلانية الذي قابله بفضيلة الرغبة، الخلاّقة في طبيعتها، وشدّد على ضرورة عدم كبحها وإلا لأصبحت سلبية وعاقرة، مستبقاً في ذلك نظريات فرويد والسورّياليين.

أكثر من ذلك، دافع بليك في هذا الكتاب عن ضرورة تصادم الأضداد (الحب والكراهية، العقل والرغبة، الجاذبية والنفور) لانبثاق الطاقة المبدعة وبلوغ التقدّم الحقيقي. وبينما رأى في الخير سلبية خاضعة للعقل، رأى في الشر طاقة لا يحدّها أي شيء وفرحاً سرمدياً. وهذا ما دفع جورج باتاي إلى تصنيفه «شاعر الشر»، علماً أنه لم يتغنّ بالشر إلا لصهره داخل التناقض الشامل الذي يسوس العالم وللإشارة إلى إمكانية بلوغ الخير من خلاله.

أما منظومة الأساطير التي ابتكرها فتشكّلت تدريجاً في «كتاب ثيل» (١٧٨٩) و «رؤى بنات ألبيون» (١٧٩٣)، ثم في قصيدتَي «أميركا» و «أوروبا» (١٧٩٣) قبل أن تتّسع في شكلٍ لافت في «كتاب يوريزين» (١٧٩٤). وفي نصوصه اللاحقة، أسقط شخصيات أسطورية تبدو وكأنها تحيا بذاتها نظراً إلى درجة تعقيدها وتطوّر صفاتها ووظائفها، مثل أورك الابن المتمرد، ووالده لوس الذي يبدو أقل تصلّباً ويرمز إلى المخيلة المبدعة وإلى الزمن، قبل أن يضطلع بدور الشفيع والوسيط.

ومع أن بليك عاد في هذه النصوص إلى صورة المسيح الوسيطية، لكن ذلك لا يعكس انحساراً في إرادته الثورية لأن مسيحه يختلط مع مبدأ المخيلة الذي ارتكز عليه منذ البداية لتشييد صرحه الشعري. وهذا ما يفسّر، في نظر دارّاس، تبنّي الشعراء الرمزيين قبل غيرهم رسالته ونظرتهم إليه كشاعر المخيلة بامتياز الذي عرف كيف يحافظ على علاقة سرّية وجوهرية مع العلوم الباطنية. ومن هؤلاء الشعراء: ألجيرنون سوينبورن وويليام يتس وحتى رامبو الذي يرى دارّاس في ديوانيه «إشراقات» و «فصل في الحجيم» امتداداً لديوان «زواج السماء والحجيم» وتأويلاً له.

عن جريدة الحياة.












تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع

19-آب-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز ج2

19-آب-2017

الأنثى الرمز، الإلهة (قناع الالوهة المؤنثة) مصطفى عبدي

19-آب-2017

رسالة فان جوخ إلى أخيه قبل أن ينتحر:

19-آب-2017

العهد المكي الثاني بعد 1300عام على الهجرة / المؤلف : إبراهيم عز

12-آب-2017

مبحث العقل في الدليل الى الله / عباس علي جاسم

12-آب-2017

السمكة

19-آب-2017

من الكوميديا السورية المنكّهة بالدمع:

12-آب-2017

لا ألدغ بحَغف الغاء

05-آب-2017

أنا هكذا مجنون

29-تموز-2017

أنا والجنسية

22-تموز-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow