Alef Logo
أدب عالمي وعربي
              

فصل من رواية الدكتور خالد

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-06-16

الدكتورخالد ...طبيب ريفي من قرية جبلية في ريف دمشق لم يكن شكله الخارجي المهمل وانحناءة ظهره البسيطة توحيان بأنه طبيب, فليس فيه عنطزة الطبيب المألوفة لدى السوريين في مجتمع جعلت التراتبية العسكرية منه مجتمعا يبحث عن تراتبية مدنية توازي التراتبية العسكرية, ولكن كيف للفرد فيه أن يحظى بالتميزالذي يستحقه كزميله الذي تعسكر وهو من لم يختر العسكرة بل اختارطواعية العمل في الحياة المدنية, ولما كان يريد التميزكما يفعل العسكري, فلم يكن أمامه من وسيلة إلا العنطزة يؤكد بها للآخرين أنه متميز, ففي المجتمع العسكري يكفي للمرء أن ينظر إلى الرتبة أو الشارة المعلقة على كتف العسكري ليدرك القيمة التي يحملها العسكري من شكل النجوم وعددها التي يحملها على كتفه, تماما كالترك من العساكرالعثمانيين الذين كان شكل التقدم الاجتماعي لديهم يمكن معرفته من ذنب الحصان المدلى فوق رأس حامله ومن شكل "الطوخ" ذيل الحصان, أومن عدد الأطواخ, وكان جنرالات الدولة العثمانية تعرف قيمتهم بعدد ذيول الحصان فوق رأس الباشا منهم والذي تبدأ باشويته مع أول ذنب حصان يرفع فوق رأسه, فهناك باشا بطوخ واحد, وهناك باشا بطوخين, والأعلى فيهم هو الباشا"الجنرال"ذو الذيول الثلاثة "الأطواخ" .

المجتمع السوري الذي لم يعرف حالة المجتمع المدني إلا لفترات قصيرة, وخاصة زمن الاحتلال الفرنسي الذي كان يهمه الفصل بين العسكري"الفرنسي" والمدني "السوري", ومجتمع الفترة القصيرة مابين الانقلاب والانقلاب بعد خروج الفرنسيين, فتعود الصحافة الحرة والنقابات والأحزاب والنوادي إ لخ مع عودة المجتمع المدني, ثم يأتي العسكر ف ...يختفي المجتمع المدني.

الدكتور خالد كان لايعطي الانطباع بأنه طبيب, فهو بمظهره الخارجي كان يعطي الانطباع بأنه معلم مدرسة ابتدائية لا أكثر, ممن حطّ بهم الزمان بعد انتقام البعثيين من ماضيهم كمعلمين للمرحلة الابتدائية, فحرموا زملاءهم السابقين من أي تميز مالي, وحرموهم من مركزهم الاجتماعي الذي أعطاه لهم المجتمع منذ أيام فرنسة "الملعونة"عن طريق حرمانهم من المناصب القيادية في التعليم ,إدارة, تفتيش إلخ,فهذه محجوزة للبعثيين, والمتمسحين بهم, أي ممن رضوا بالتعامل مع الأمن, ثم استسلم البعثيون إلى ملذات العسكرية دون أن يكونوا عسكريين, ولذا كانوا في حاجة للتميز عن طريق أدوات أخرى غير الأطواخ, فوجدوها في ليّ اللسان لتأكيد ريفيتهم, فقد صارت الريفية أداة أخرى لتأكيد أني من "المنتصرين" السادة الجدد.

استطاع الطبيب في تسلمه للمهمة الجديدة مهمة الكاهن التي يخضع لها الجميع متنازلين أمامها عن عنطزة التميز, فهو"الحكيم" وصار يتصرف على أنه "الحكيم" والحاكم المنقذ من الموت والواهب للحياة, في نظام من رعايا وعبيد ممن لا قانون يحميهم ولارحمة تستر عريهم, فلو مشى الرعية في الشارع فهو لايمشي على الرصيف بل في منتصف الطريق, فالرصيف تحتله الكلوبات, أكواخ حراسة الأسياد من "المسؤولين"وعليه أن" يطورق" ــ يتخلى عن الطريق ــ للأسياد الجدد "ولكولبات" الأسياد الجدد, فلكل سيد منهم كولبة وحراس يتبدلون حسب برنامج صارم يعدّه السيد الذي جعلت البدلة العسكرية منه سيدا لاينازع, ولايجادل في إقطاعيته من حراس وسائقين وخدم منزليين للزوجة والأنجال, وقد سمعت مرة طفلا من أبناء هؤلاء اللوردات يقف في شرفة بيت "البابا" وهو يصرخ بملء صوته مناديا الجندي المناوب في خدمة اللورد الضابط: يا عنصر!!, وكان اسم الخادم من الجنود المفروزين لخدمة الباشا الجديد كما حفظه هو "عنصر" وهذا العنصرربما كان ابني أو أخي الذي سحب من حياته المدنية ليؤدي خدمة العلم, وما خدمة علمه إلا أن يكون خادما أو سائقا, أو حارسا شخصيا ـــبالمجان بالطبع ـــ للباشا الجديد وهو"العنصر" الذي يفترض أن يموت نيابة عن البطل "اللورد" في أية حرب ممكنة الوقوع, فلم نعرف لهذا الجيش سلالة "اللجيون ايترانجيه" إلا الهزائم في كل حرب دخلوها إلا إن كانت ضد المساكين ممن لاأطواخ تميزهم.

كانت أداة تميز الطبيب الأولى هي العصمة, فالطبيب في مملكة اللا قانون هذه لايحاسب على خطئه الطبي مهما تسبب خطؤه للمريض من أذى, والذي ربما أدى بالمريض إلى الموت,و... أهل المريض الذين اعتادوا على أن روحهم ودمهم فداء للمتنفذ, وأتباع المتنفذ, وأقرباءالمتنفذ, ومن يلوذ بالمتنفذ, وهم في الآن نفسه لايملكون ردا للأذى عن أنفسهم أوعمّن يلوذ بهم, وهم من يعرفون ألا قضاء ينصفهم, فالقضاء فقد العلاقة بالعدل إلا إن تلقى الهاتف من الأمن, ولذا فهم لا يملكون إلا أن يتمثلوا بالآية الكريمةـــفإذا جاء أجلهم لايستأخرون ساعة ولا يستقدمون ــ

الدكتور خالد لم يكن يخالط الأسرى كثيرا, وكان يتناول الطعام الذي يدعى إليه في استسلام, ولم يكن يتشكّى من جودة الطعام أومن رداءته, وكان أول من صنع مسبحة من بذور الزيتون بعد مصمصتها حتى لايتبقى فيها أّثر لملوحة الزيتون, أو لمرارته, وقد رآه ياسين وهو يحك البذرة بالأرضية الخشنة, فجلس إلى جانبه يراقبه بصمت, ولم يعترض الدكتور خالدعلى جلوسه ومراقبته هو يحك البذرة الثانية, فالثالثة, كان يعمل بصبروهدوء دون أن يلتفت يمينا أو شمالا حتى سئم ياسين من مراقبته التي لاتطور فيها, فابتعد,... يبحث عمّا يشغل مخه الذي كان قد أصر في تعمد ألا يشغله, فلو شغّله كما اعتاد فيما مضى, فلن يتوقف قبل أن يصل به إلى الجنون, لكن صوت الحك الدؤوب لم يفارق مسمعه, وكان يتخيل يد خالد وهي تمضي وتعود جارة البذرة على الحجرالخشن يمسح تدببها, ولايعرف ما الذي يريده من كل هذا.

كانت المفاجأة...في رؤيته بعد أيام وقد ضم البذور بعد ثقبها في خيط فتحولت إلى مسبحة زينّها عند ضمها بتبليقها بذرة بيضاء, فبذرة سوداء, فبدت شيئا طريفا جعل الجميع يصبحون صانعي مسابح, وصار الصراع على جمع البذور وغسلها جيدا وتجفيفها, ثم حكها لمحو الرأس المدبب الخشبي عن البذرة , ثم تفريغ القلب الطري بإبرة أو مسمار أو أية قطعة معدنية تستطيع المرور عبر البذرة طاردة الجسم الطري منها "اللب"ثم يبدا التدافع على الخيط, أي شيئ يصلح للخيط الضام للبذور ومحيلها إلى...مسبحة .

كانت تسلية جديدة كافية لإلهاء الضباط الشبان, وتسليتهم عن ذكريات ما قبل الأسر, وعن ذكريات الشباب والحديث الطويل عن مغامرات الشباب, والأرق الطويل, فقد شغلوا أنفسهم بحك البذور, بل سمعت بعضهم مرة يسلي أرقه في العتمة وبعد إطفاء النور الشامل, فيعمد إلى شغل مخه الأرق بحك البذورفي العتمة, يحكها حتى يرهقه التعب والنعاس فينام, أما المشهد الذي لم يكن يخطرعلى بال آمر السجن العراقي الأصل, فكان أن يرى هؤلاء الشبان القادمين من كل أرجاء سورية, والذين يعرف من ملفاتهم أنهم ينتمون إلى كل شرائح سورية الدينية والمذهبية, فكان فيهم المسلمون والمسيحيون المنتمون إلى معظم الفرق المسيحية التي تحفل بها سورية, ليس المسيحيين فقط بل الفرق المسلمة بكافة تلاوينها, العلوية, والدرزية, والاسماعيلية, وكانوا جميعا أو لنقل ليس الجميع, بل الأكثر يحملون المسابح الطويلة والقصيرة والمتوسطة, وحبات الزيتون تتدحرج بين أصابعهم, البعض يتمتم مسبحا بها, والآخرون يكتفون بمداعبتها بين أصابعهم يصرفون من خلال مداعبتها فائض توتر أعصابهم وانتظارهم الطويل.

كانواقد انقطعوا عن العالم تماما, فلا رسائل ,ولا صحف, ولاكتب, ولاراديو, وصار لقاؤهم الصباحي حين يبدأون التقلب على الأسرة الحديدية والتي اكتشفنا مبكرين جدا أنها كانت أسرّة عسكرية سورية مما اعتدنا النوم عليها طلاب ضباط وجنودا هناك في سورية, عرفناها من تصميمها القائم على إمكانية تعشيقها طابقا فوق طابق, وكان شجارنا هناك في سورية وهاهنا في ماكان سورية على من ينام في الطابق الأسفل حيث لاحاجة به إلى التسلق إلى الأعلى, وبين من يرغب في الطابق الأعلى يخلو لأفكاره وأحلامه, وكان سؤالهم الأولعند فتح عيونهم: ما المنام؟ وكان يسأل... عن المنام الذي رآه في ليلته, فلعل فيه بشرى, أية بشرى, بالعودة إلى أهلهم, إلى زوجاتهم, إلى حياتهم السابقة, ويبدأون في قص الأحلام, وتراهم يستمعون إلى الأحلام في اهتمام, كل يحاول على حدة أن يجد تفسيرا ما, رابطا ما بين ما رآه الآخر, وبين قرب الإفراج والتبادل.

في قلب هذه الحيرة والضياع والانقطاع عن العالم تقدم الدكتور خالد بحله السحري, وحين سمعت الحل أول مرة ظننته يسخر من حيرتنا وانعدام صبرنا, وضيقنا بالعزلة التي طالت دون اتصال بالعالم, والذي سيؤدي بنا بعد شهر إلى إعلان الإضراب عن الطعام, هذا الإضراب الذي ستكون له نتيجتان, الأولى منها كانت في حملي لاسم" مسترجنيفا"الاسم الذي سأحمله لما تبقى من سجننا الطويل, والذي سأحمله في تنقلنا ما بين عتليت, ومجدو, وتل أبيب, وذلك لكثرة ما ذكرتهم باتفاقية جنيف التي تضع القواعد لمعاملة أسرى الحرب التي كانوا يتجاهلونها اعتمادا على ما يعرفونه عن علاقة السوريين والعرب عموما بحقوقهم وبا لقانون, ولكني كنت أذكرهم بها عند كل مخالفة, فقد كنت المسؤول عن مؤسسة الصليب الأحمر في المكتب, فحفظت بنود الاتفاقية, وأصررت على تنفيذها كاملة, وحين كنت أفعل ذلك كنت ألاحظ نظرات الاستنكار على وجوه السوريين, وأخيرا همس بها لي الرائد أحمد: ياأخي, يا أخي!, نحن بين أيديهم, لا تضغط عليهم . لو كانوا مكاننا لفعلنا بهم الأعاجيب . اشكر الله أنهم بسطاء, ولايعرفون كيف نفعل لو كان الأمر معكوسا !!

وحين عرضوا عليّ الظهورمرة في التليفزيون الإسرائيلي لطمأنة أهلي رفضت, فأهلي يعرفون أين أنا!, قلتها في تنمر كما علق ياسين على طريقتي في الرد, قال: ربما احتجت أو احتجنا إليهم ولاداعي للنمردة عليهم! أما المكسب الثاني, فكان في استجابتهم لطلباتنا في وصول الرسائل إلينا بعد طول حبس لها عند من لا أعرف اسمه, ولكنها كانت العقوبة على شيء ما, ليس الرسائل فقط, بل الصحف العربية الصادرة في فلسطين, والتي لم يكن من بينها الاتحاد, فقد رفض الضابط الأقدم في القاووش طلبها, وقال في استنكار: هل تريد لهم أن يقولوا عنا شيوعيين!, وفنجر الآخرون عيونهم غير مصدقين وهم يرمقونني في ازدراء:شيوعيين!

كان اقتراح الدكتور خالد شديد البساطة, اقتراحا سيجعل أبواب السجن تنفتح, والأقفال تسقط, وسنجد أنفسنا بعدها أحرارا لايطلب منا إلا أن نؤمّن وسيلة المواصلات التي ستحملنا إلى بيوتنا كما قال الدكتور خالد, قال: قبل أن ألتحق بالجيش قبض عليّ أزلام النظام, وأودعوني في مخفر الشيخ حسن, وكان سجنا رديئا بكل المقاييس, بناء وتهوية, وطعاما, وإضاءة, وكنت قد حبست في منفردة لاأرى ولاأسمع أحدا, وحتى الطعام كان يدفع إليّ من تحت الباب, وليس من كتاب أو مصحف أو دلائل خيرات, ولم يكن أمامي إلا الصلاة, فصليت لبعض الوقت أسلي نفسي عن الجنون, وأسلي نفسي عن استذكار الخطايا التي أبعدني السجن عنها, كنت أعرف عبر تجارب سابقة لي مع السجن أنّ الوحدة في السجن كثيرا ماتقود إلى الخطايا, وكنت قد استشرت مرة شيخي, وسألته عن كيفية تجاوز الوقوع في الخطايا العقلية إذا كنت في السجن, فقال: عليك بالصلاة فهي وجاء من الذنوب والخطايا.

تنفس عميقا كمن أرهقه الحديث, ثم أضاف: ثم سألته: وكيف أسأل الله الفرج, فقال: إذا ضاق عليك السجن, فاذكر البيت الذي يقول: ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لاتفرج, كانوا... ,المتحلقون, ثلاثة, فصارواخمسة وفيهم الموجه البعثي والمنظَّر, والمثقف الثوري, كانوا يبحثون عن شيء يقودهم إلى فرج أي فرج, فتسرب إليهم حديثه عن الفرج, وكانوا قد أنهوا تبادل الأحلام وتفسيراتها وإيحاءاتها, ثم سمعوا الحديث عن الفرج, فشدتهم الكلمة كالمغناطيس, تنهد الدكتور كمن يزيح عن صدره ثقلا أرهقه, قال: ياشباب, سأبوح لكم بالسر, وأقسم إن هذا ما جرى بالضبط, قال: قال لي إن ضاقت عليك أبواب السجن, ولم تعد تستطيع صبرا, فاقرأ ثلاثة آلاف مرة سورة" قل هو الله أحد", وسترى ما يسرك, ثم رفع رأسه ليواجههم, كان يتحاشى المواجهة فتابع: وأقسم بالله يا شباب إني ما إن انتهيت من الممسبحة الألفية الثالثة حتى انفتحت أبواب السجن وكان الفرج.

كان المشهد في اليوم التالي صعباعلى التصديق, فالرائد علي وكان قبل القدوم به إلينا قائد لواء مدرعات غامر به في الخشنية فقضى على اللواء بكامل آلياته ومقاتليه, ثم قبض عليه ولم يخدش منه أصبع, وكانت كل مؤهلاته أنه كان معلما ابتدائيا صباح الثامن من آذار, وكان اقصى أحلامه التي طالما أرقته الليالي أن تقبل به معلمة مدرسة ابتدائية من القرية المجاورة زوجا, ولكنها لم تقبل, فقد كانت " منوضرة" على ضابط, أي ضابط يحمل وعدا أكثر إشراقا, وكان يحس بالظلم الواقع عليه, فأمه وجدت له الزوجة المناسبة في ابنة عمه التي كان الجميع يرون فيها الزوجة المثلى, كيف لا وأمه تصفها فتحسن المديح: والله يا ابني خزيت العين, خزيت العين ــ وكانت تخشى عليها من الإصابة بالعين ـ هاي بترفع شوال الحنطة بنترة واحدة على ظهرها الله يحميها الله يحميها ويقويها!

كان يقهقه معلقا على المقلب الذي نجا منه بمناسبة انقلاب الثامن من آذار: كنا ننتظر تغيرا ما, فالثورة لاتقع كل يوم, ولكن أن يسّرح نصف ضباط الجيش السوري؟ فهذا لم يكن في حسبان أحد, و...فجأة صارت الحاجة ماسة إلى الضباط ليملأوا بهم الفراغ, ولكن من أين يأتون بالضباط , و.. يتقدم أحدهم بالاقتراح المنقذ: لن ننتظر عشر سنوات نخّرج فيها الضباط الجدد لنملأ الفراغ . وإذن؟ وكان الحل في استدعاء "المرشحين " البعثيين, والمرشح هو من أدى خدمة العلم, ولم يكن حاصلا على الشهادة الثانوية, فيتخرج برتبة مرشح, وكان الاقتراح أن يستدعى المرشحون إلى الخدمة ثم يجروا دورة من ستة أشهر, وإذا بالمئات من الضباط يملأون كل حاجة إلى الضباط.

وأطلق قهقهة سعادة ,فلقد صار ضابطا, وصار يإمكانه أن يتقدم إلى المتكبرة الطموح, ويتزوجها وتتغير مسيرة حياته إلى الأبد, ثم يضيف في أسف: ولكن من كان يتوقع أن تقع الحرب ويدمر اللواء , ويتنهد : وأراكم! ويطلق قهقهة ليس فيها من الفرح الكثير.

الرائد علي كان الأول ممن سأراهم في اليوم التالي وقد انزوى جانبا يتمتم بسورة "قل هو الله أحد", ويسمح لبذور الزيتون بالتسلل من بين أصابعه لتسجل عدد المرات التي قرأ فيها السورة التي ستكون قراءتها المفتاح الذي سيزلزل أغلاق الباب ويحرر المنسيين في سجن اسمه" مجدو"وحين دعي الرائد علي لتناول الفطور فوجئنا برده أنه صائم! وتبادلنا نظرات الدهشة, فلم يكن معروفا عنه التقى, ولم يكن معروفا عنه الاهتمام بالدين والصلاة والصوم,..ولكن لم تأزف الساعة العاشرة حتى كان عشرة من الزملاء الضباط قد انزووا جانبا ومسابحهم تطقطق وشفاههم تتمتم ب:قل هو الله أحد.

في اليوم التالي كان منظر باحة التنفس شيئا خارج المعقولية, كان الضباط الذين انقضى عليهم أكتر من أربعة أشهر لايعرفون فيها شيئا عما يجري في الخارج, هؤلاء الضباط الذين يمثلون الشبان السوريين الذين انقضى على ثورتهم البعثية أكثر من عشر سنين, هؤلاء الشبان من مسلمين ومسيحيين, من مسلمين علويين وهم الأكثر بين الضباط العاملين, ومسلمين اسماعيليين, ومسلمين دروز, كانوا جميعا يشهرون مسابحهم, ويتمتمون بآيات السورة التي ستنقذهم, كانوا في بدلهم المبرقعة والتي نقشت عليها أرقامهم وفوقها حرف شين عبري كبير, وقد انحنوا على مسابحهم يتمتمون في استسلام وتصوف, ولو مرّ أحد الصحفيين لسبب ما بهذا المشهد, فلن يصدق أن هؤلاء هم السوريون ممن دانوا لعشر سنين بالبعث العلماني, ولو أردنا مجاراته بالتطرف لقلنا إنه كان يعلن عداءه للدين, هؤلاء الشبان أنفسهم هاهم يضعون خلف ظهورهم أديانهم ومذاهبهم, وحزبهم الذي لايكف يوما عن إعلان علمانيته, ويتعلقون بمسبحة وآية, فهي ما ستسقط عنهم الأقفال, وتفتح الأبواب, وتعيد إليهم الحياة كما كانت قبل شهور.

كان في المنظر ككل شيء ما ربما مضحك, فهؤلاء الشبان الذين كانوا في بداية اجتماعهم الذي ما اختاروه, كنت تسمع صراخهم, فتظنه شجارا عن الخطأ في الهجوم على العدو من هذه الجهة أوتلك, عن الاندفاعة التي أراد قائدها إبداء شجاعته بها, فارتدت على الكتيبة ككل, هؤلاء الشبان أنفسهم والذين حين يأرقون فتسمعهم يتحدثون في حنين وتفاخرهامسين عن مغامراتهم النسائية, وسهراتهم الصاخبة, حنين أكاد أقول بكائي على الأيام البهيجة التي راحت, هؤلاء الشبان أنفسهم هاهم يحملون مسابحهم, ويسربون بذور زيتون مثقبة بين أصابعهم متمتمين بالآية التي ستخرجهم من الحفرة التي وجدوا أنفسهم فيها .

كان السؤال الذي أخذ في الالحاح عليّ :وإذن, فماهو الدين؟ما هو هذا المفهوم الذي لست شديد الإيمان به, ولكنك على استعداد تام لقتل الآخر الذي لايؤمن به, والسوريون ككل شعوب الأرض قتلوا ويقتلون وسيقتلون من أجل شيء لايؤمنون به عميقا. أهي حجة لإيقاظ الوحش في الأعماق ؟ الوحش الذي يطالب بالقتل ثم يبحث عن حجة, فالرغبة الأولى هي القتل,أهي الحجة لانتزاع ما تملك, فلقد سئمت العوز وأنت تملك كل شيء, وهاهم يضعون المسيح ومحمد وعلي جانبا, ولاهم لهم إلا النجاة من هذه الحفرة التتي وجدوا أنفسهم فيها, هاهم يتوسلون بطلسم أقنعهم الدكتور خالد بطريقة لم يتعب فيها بأنها الحل حقيقة, فإذا بهم يتنازلون عن كل معتقد سابق, ويتحولون إلى مهمهمين يرجون بالهمهمة أن تسقط الأبواب, ويعودون إلى حبيباتهم السريات, وإلى زوجاتهم العلنيات, وإلى صراخهم الصباحي: أمة عربية واحدةإلخ

انتهت الآلاف الثلاثة ولم تسقط الأبواب ولم تنفتح الأقفال, وكان التفسير سهلا , فلابد أن أحدهم قدغلط في العدّ, أو أن فيهم من لم يكن على طهارة, أو..وسارع الجميع إلى الحمامات يغتسلون, وإلى المسابح يعدون بذورها, فابن آ د م ممكن الغلط ولما كان اليوم التالي توزعوا في مجموعات, وبدأوا القراءة .

حين أتذكر المشهد فيما بعد كنت أتساءل : كيف استطاع إقناعهم, كيف, وفيهم الأستاذ الجامعي, وفيهم الصحفي, وفيهم من يسمي نفسه بالمفكر السياسي, وكنت أجيب نفسي: ولكن أليس هذا ما حدث ويحدث في العالم حين يكون في أزمة تضيع قدرته على امتلاك مصيره واتزانه وقدرته على المحاكمة الباردة؟ ثم أتلفت من حولي في خوف: أفلم تفعل سورية كلها الأمر نفسه حين خسرت الوحدة, وكانت تظن أنها وهي من تجد نفسها دولة على غير رغبة منها, وكانت هذه الوحدة قد أضاعت ديموقراطيتها التي تركتها لديها فرنسة , وكان الاختيار المر: الوحدة أو الديموقراطية؟ فذكرها البعثيون بالخيار الألماني زمن بسمارك حين اختاروا الوحدة, فالديموقراطية يمكن لها أن تنتظر قليلا.

اختار السوريون المأزومون بدولة لم يصنعوها ولم يختاروها ولم يحبوها, اختاروا الخيار البعثي..الوحدة الآن, ويمكن للديموقراطية أن تنتظر, و...انتظرت, وانتظرت ...معها الوحدة و كل أحلام الشعب , فالبعث اختار التحالف مع العسكر ثم مع الأمن على التحالف مع الشعب كتلة الغبار التي يجمعها طبل ويفرقها عصا كما أطلقوا عليه.

انتهت الآلاف الثلاثة الثالثة, ولم تسقط الأقفال ولم تنفتح الأبواب, وبدأت التساؤلات: كيف ولماذا , وكانت التساؤلات كلها تدور عن الخطأ في الإجراءات, طهارة القارئين, إحسان القراءة, طهارة القلوب, ولكن أحدا لم يتساءل عن صوابية الفكرة ككل, وأخيرا كانت النتيجة المتوقعة حين أحسست بياسين ينسل إلى جانبي في السرير الضيق..ليقول هامسا: الشباب حاقدون عليك!

كان مؤتمر صغير قد التأم سرا , مؤتمر تساءل فيه المجتمعون عن سبب غضب الله عليهم وعدم إسقاط الأقفال وانفتاح الأبواب عمّن أدى المطلوب, وتلا بنفس صافية سورة : قل هو الله أحد ثلاثة آلاف مرة, لم يحتج الأمر إلى نقاش طويل فالآثم الذي أصاب القاووش بالنحس ليس إلا "المستر جنيفا" الذي لم يكتف بعدم الاشتراك بالتسبيح, بل كان ينظر إليهم وهم يهتزون إلى الأمام والخلف أثناء التلاوة الطقسية في سخرية, فتساءلت في خوف لم أعرفه في حياتي وأنا أرى نظرات الغضب في عيونهم:والحل؟ قال: لاحل...وتلكأ قليلا قبل أن يقول :يجب أن تشارك في التلاوة , وإلا فأنت المسؤول عن العذاب الذي يعيشون!1088كلمة

الرواية قيد النشر

























تعليق



saad domaz

2013-06-16

super wonderful text i wish i could read the rest of it thanks alot alef

نينار حلبي

2013-06-26

""""" وهذا العنصرربما كان ابني أو أخي الذي سحب من حياته المدنية ليؤدي خدمة العلم, وما خدمة علمه إلا أن يكون خادما أو سائقا, أو حارسا شخصيا للباشا الجديد وهو"العنصر" الذي يفترض أن يموت نيابة عن البطل "اللورد" في أية حرب ممكنة الوقوع"""..... يا الله ما اجملك ايها الكاتب الذهبي.. فعلا حروفك وكلماتك من ذهب.. شكرا, ولك كل التحية والاحترام والاعجاب.

نينار

2013-06-26

نتمنى قريبا قراء الرواية كاملة .. خيري الذهبي هو الان بجدارة نجيب محفوظ القرن الحادي والعشرين

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow