Alef Logo
مقالات ألف
              

الناصريون ينصرون الظالم

خيري الذهبي

خاص ألف

2013-06-08

حين أذكرمرات الفرح في حياتي, الفرح الحقيقي , الجماعي, لا الأفراح الفردية, الجميلة ولاشك, ولكنها ليست الفرح , فأين منها فرح الإسرائيليين في تحقيق دولتهم في العام 1948بينما كان الحزن يخيم علينا في خسارة أول محاولة لنا لتحقيق انتصار, واستعادة ما يعتقد السوريون حقا قد ضاع منهم ألا وهودولة الوحدة التي يهرب بها, وإليها السوريون من مواجهة أنفسهم في دولة لم يختاروها, ولم يقرروا حدودها, ولا أيديولو جيتها, ولا, وهذا هو الأخطر جيرانهم في هذا الوطن!
في الحرب المضحكة المبكية العام " 1948"جرى تأسيس مستقبل الشام للقرن القادم, الفرح والنصرللإسرائيليين وهو حصتهم, وكأنه لقاح للمستقبل, أما الهزيمة والخزي والاضطراب السياسي الذي سينتج عن الهزيمة فهو حصة العرب, ولو رجعنا بضع سنوات إلى ما قبل الحرب الهزيمة, ورأينا سورية تحصل على استقلالها كأول دولة في العالم الثالث دون أن تستحق هذا المجد, فهي لم تبذل من العرق والدم مايبرر لها أن تسبق فييتنام والجزائروأفريقيا إلى الإستقلال, ولكنا إذا ما انتبهنا إلى أن ابنتها الجنوبية "فلسطين"التي ستتهود والتي كانت في طريقها إلى إعلان الاستقلال بعد عامين, وأن سورية لن تستطيع إلا أن تحارب لاسترجاع ابنتها الجنوبية من قبضة الغول فهمنا سبب هذه السرعة البريطانية في منح الاستقلال لسورية, فإسرائيل يجب أن تحصل على شرعية الوجود من المحيطين بها بالسيف وليس عطية من الغرب !,ويبدو أن ذلك الجيل السوري كان مايزال جيل "عليهم يا عرب" فيكفي أن يندفعوا مخلصين للحرب حتى ينتصرواعلى العصابات, والشراذم, وشذاذ الآفاق! غير مدركين ألاعيب السياسة والساسة المحترفين, غير مدركين أهمية المتمولين اليهود الكبار, ومخططاتهم لإقامة الدولة التي ستعيد إليهم الوطنية والكرامة, فالبروتستانت الأميركيون ليسوا أفضل منهم, وهاهم قد صنعوا دولة من مهاجرين لا جامع يجمعهم إلا الهرب من أمراض العالم القديم, وليس الأستراليون والنيوزيلانديون بخير منهم, أما العرب, فمضوا إلى الحرب غير مدركين أهمية الرعاية الدولية والعطف الغربي على المشروع الصهيوني الذي يقول مفكروه: أما العرب فقدعرفناهم من الدراسات الإثنولوجية, والأنثروبولوجية الكثيرة التي قمنا بها, عرفناهم مجموعات قد تخلت عن العسكرية لقرون, وتخلت عن المغامرة لقرون, ويكفي أن تنتصر عليهم مرة حتى يصدق عليهم قول تيمور لنك: انتصرت على الشرق برعب جنكيز وهولاكو.
الفرحة الحقيقية والكبرى, الأولى والأخيرة التي عشتها كانت في قدوم عبد الناصر إلى دمشق وإعلانه القبول بالوحدة مع سوريا, ولاأنسى, ولاأستطيع أن أنسى تلك الفرحة الغامرة التي تلبستنا, ونحن نهتف في اعتزاز: سجل يا تاريخ الكون أصبحنا عشرين مليون! أي أن مجموع سكان دولة الوحدة قد قفز بنا من دويلة صغيرة إلى مصاف الدول الكبيرة , عشرين مليون! وكانت إسرائيل لاتتجاوز المليون, والأردن ولبنان يحومان حول هذا الرقم.
في ذلك اليوم العجيب امتزج الناس في كتلة لحمية واحدة, وهم يقفون في خشوع ينتظرون ظهور الرجل السحري: عبد الناصر!...كان المكان شديد التواضع وكان اسمه قصر الضيافة, وكان مجرد فيلا متواضعة, أين منها قصور الشعب! التي بناها حافظ الأسد, أين منها القصور التي بناها ضباط الأمن المحافظون على السلام والأمن في الوطن في أجمل بقاع الوطن التي يتشرف أصحابها بأن يقدموها ولو مكرهين هدية مجانية إلى حماة الوطن, ألا يستحقون مثل هذا الكوخ يسترون بها "كبرتهم" بعد ما قدموه للوطن من خدمات, صحيح أن البيوت الريفية المحرومة من الماء والكهرباء والمجاري تحيط بهم, ولكن ما حاجة الفلاح الذي ينام باكرا ليحافظ على صحته إلى الكهرباء, وما حاجته إلى الماء في الحنفية, وامرأته "اللهم لاحسد" تستطيع أن تمشي كيلو مترات إثر كيلو مترات وراء حمارها اللطيف لتحضر الماء إلى البيت.
في ذلك اليوم خرجت سوريا بكامل القادرين على الخروج تستقبل الرجل الذي سيعيد إليهم أيا م المجد التي حدثهم عنها حكواتي الحارة, والتي ستخرج بهم من ذلة الهزيمة إلى عزة المواطن غير الخائف من العجز والضياع, إنه صلاح الدين والظاهر بيبرس مجتمعين, الذي تنتظره الأمة كل الأمة, في ذلك اليوم حمل البسطاء السيارة التي حملت عبد الناصر إلى بوابة قصر الضيافة سعداء أنهم لمسوا حديد السيارة التي حملت عبد الناصر!, في ذلك اليوم خطب عبد الناصر, فلم نسمع ما قال لشدة لهفتنا إلى تشرب ما يقول, وإلى رؤية ما يقول, وفي ذلك اليوم تمزق القميص الجديد الذي أصرت أمي على أن ألبسه في هذه المناسبة التي لن تتكرر, ليس قميصي فقط, فقد أضعت فردة حذائي التي داس عليها في الزحام أحدهم, فانزلقت هاربة, ولم أملك لشدة الزحام الانحناء لاستعادتها, وكانت حسرة الرجوع إلى البيت حافيا ممزق القميص حسرة مختلطة بالفرح أني قد رأيت الرجل الأمل, الرجل الذي سيعيد للجميع سعادة العزة.
تقدمت بكل هذه المقدمة حتى لايزاود علي أحد في إعجابي بناصر, أو احترامي لتجربته مزاود, وأنا ذلك الطفل المشبع ككل السوريين بالضياع في بلد لم أقرأ عنه الكثير, فقراءاتي المدرسية كانت إما عن العالم العربي الذي مزقه الاستعمار!, أو عن العالم الإسلامي الذي فتته الاستعمار أيضا!, ولكن ليس أبدا عن سورية التي حبسنا فيها الاستعمار, ولكنا مصممون على إفساد مخططاته!, و في هذه الرؤية لم أكن أختلف عن تسعين بالمئة من الشعب السوري الذي كان يعرف عن الأهواز" قبل وصول حافظ الأسد إلى الحكم,أما بعد بعد وصوله إلى الحكم فقد صمت عن الأهواز, فلم يكن يريد إغضاب الصديق الكبير إيران" أكثر مما يعرف عن إدلب, أوعن البوكمال, وكان المواطن السوري يعرف عن تطوان أكثر مما يعرف عن بلودان.
قوى كثيرة ساهمت في إسقاط الوحدة, ومنها المباحث المصرية, و..عبد الحكيم عامرالذي كان يحتل منصب نائب الملك في سورية, بالإضافة إلى أصحاب المصالح الذين أضيرت مصالحهم بالوحدة, ثم... كان انقلاب البعث المشؤوم على ما أسماه بالانفصال, وكأن انقلاب البعث أعاد إلينا الوحدة, ولكن البعث الذي ما إن استولى على الحكم حتى بدا أنه مصمم على أن الميراث الذي ورثه, ممن ؟هذا الميراث حق شرعي له, ولن يسمح لتنظيم, أو لحزب, أو لفرد بانتزاعه منه, و سعى منذ يومه الأول إلى أن الانقلاب الذي قام به سيكون الانقلاب الأخير في تاريخ سورية, فكان أول ما صنع إنشاء جهاز مخابرات ليكون من أكبر وأقوى أجهزة المخابرات في المنطقة, وسيستعين بالطبع بالدولة البوليسية التقدمية الاتحاد السوفييتي, ثم وفي عهد حافظ الأسد ستتم الاستعانة بالستازي الألمانية الشرقية, وهذا الجهاز الذي لم يفعل منذ إنشائه إلا قهر الشعب السوري منذ خمسين سنة وحتى يومنا هذا.
كان النظام المخابراتي الناصري يتبدى نظاما ساذجا"عبيطا" إذا ما قورن بالأبعاد التي وصل إليها نظام المخابرات السوري, ففي مصر كانت المخابرات تطارد خصوم النظام من الإخوان والشيوعيين, فلنقل منذ اختياراتهم المبكرة لاتجاهاتهم السياسية " شيوعيا كان ذلك أم إخوانيا", أما الإبداع السوري فقد تفوق على المصري, فقد كانوا يؤمنون بصناعة العدو وإخراجه من حالة السكونية, أومن حالة الرأي الذي سيحوله إلى خصم في وقت ما, ولذا كانوا يصطنعون حزبا ذاإيديولوجيا مغرية, أو بأفكار تعرف أن الشبان يؤمنون بها, فهم من ربوهم عليها في منظمات الحزب " الطلائع والشبيبة واتحاد الطلاب" , ولكنهم ربوهم لتكون هذه الأفكار شعارات يمكن المناداة بها ماشاءت لهم المناداة أما أن يطالبوا بتحويلها إلى حقائق تنتزع من" مكتسباتنا", فعند ذلك يتحول المطالبون إلى عدو, وهذا ما حصل, فعبر معايشة السلوك اليومي للنظام من " طائفية , ومناطقية , وعشائرية" سيستيقظ الرفاق والأنصار, وسيصلون إلى أن النظام قد خان مبادئه, ولذا وحتى لايتحولوا إلى صداع مستقبلي أو خطر ممكن, فالأجهزة ستكلف عملاء لها بإنشاء حزب سري, حزب يدعو إلى العودة إلى النقاء الفكري للحزب والعودة إلى أيا م الحزب البريئة, ولكنهم ما إن يقعوا في الفخ ويبدأوا في مغامرة إنشاء الحزب السري حتى تفاجئهم المخابرات, فتعتقلهم جميعا, فمن دعاهم إلى الحزب منذ البداية ليس إلا عضوا في المخابرات التي كبرت عن الكلمة البسيطة " مخابرات"لتصبح شيئا اكبر من البشر, المخابرات! ,شيء أشبه بالآلهة, إنهم صانعوا البشر, صانعواالفنانين والكتاب, والديبلوماسيين, والأكاديميين, انها الدولة النموذج التي حلم بها فوشيه وزير الشرطة البونابرتي , إنها الدولة التي جاول صنعها غوبلزفي المانيا, وبيريا في الاتحاد السوفييتي, دولة أن توقع بالعدو السياسي قبل أن يفكر في أن يصبح العدو السياسي, وهذا ما فعلوه بحزب البعث الديموقراطي حينما اعتقلوأعضاءه حتى آخر عضو فيهم قبل أن يفكروا حتى في الاحتجاج ليقضوا في سجن التعذيب بلا حدود سنوات وصلت إلى ما يزيد عن العشرة أعوام لدى بعض من أعرفهم, وكما فعلوا بحزب العمل الشيوعي"الرابطة" فقد اخترقوهم منذ اللحظة الأولى, واعنقلوهم قبل أن يفكروا في القيام بما كانوا يتمنون القيام به ..الاحتجاج.
حرص الرئيس السابق على إفقار الشعب عن طريق صنع التضخم المتعمد, كما حرص على قتل المبادرات الزراعية والصناعية التي اشتهر بها السوريون الذين قاموا بالمغامرة الكبرى في أربعينات القرن الماضي, فاستصلحوا أراضي الجزيرة السورية التي لم تزرع ولم تحصد منذ غزوات المغول, فتحولت أراضي الجزيرة إلى ما أسمته الدراسات العلمية عن الإصلاح الزراعي المشؤوم, الإصلاح الذي خرب مغامرة التصنيع التي قام بهاالمغامرون: معمار باشي, وأصفر ونجار, ونظام الدين والتي جعلت من القرية التعاونية مبروكة التي كانت تعج بمئات التراكتورات والحصادات والمطاعم المشتركة والسوق الداخلية تبيع بنقود داخلية كل ما يمكن للفلاح أن يحتاجه, هذه الدراسات التي تحدثت عن تجربة يتحدث عنها كتاب الأمم المتحدة في إعجاب يعتبرها أهم من تجربة الكيبوتز الإسرائيلي, والسوفخوز الروسي, وأصبحت الجزيرة كما دعوها كاليفورنيا الشرق, والتي جعلت الميزان التجاري السوري رابحا لأكثر من ثلاثين سنة إلى أن رضي الله عن الشعب السوري, فساق إليه حزب البعث, ثم الرفيق المناضل "فينا" حافظ الأسد, فجاؤا بالاصلاح الزراعي, ووزعوا مئات آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية المستصلحةعلى بداة لم يزرعوا شبرا من قبل, ولا تهمهم الزراعة في كثير أو قليل ,
و..بدأ ت عقود السواد التي لم تعرفها هذه البلاد منذ غزوات المغول.
أفقرالنظام الشعب السوري عن عمد, في الزراعة والصناعة, فالمثل الذي كان الرفيق القائد يردده دائما" جوّع كلبك يتبعك"ناسيا تتمة المثل :ولكنه إن جاع أكثر مما يحتمل فسوف يأكلك, ولقد جاع أكثر ممايمكن لشعب أن يحتمل, والنتيجة ما نرى .
كان جرحا عميقا في الروح وقبل القلب أن أرى جموع الناصريين في ميدان التحرير تهتف للقاتل الذي قتل من الشعب السوري أكثر مما قتل الصهاينة بعشرات المرات, و...تهتف ضد الضحية الذي صبر لخمسين سنة على الظلم, والتجويع, والإذلال مرددا الشعارات اللفظية التي كان في أعماقه يعرف زيفها, شعارات الممانعة والكفاح ضد العدو الصهيوني وهو من تخلى له عن مرتفعات الجولان, وتخلى له عن فلسطين الضوء في عيوننا, وتخلى له عن وادي الرقاد أجمل البقاع البرية في سورية, وتخلى له عن نهر اليرموك الرافد الأكبر لنهر الأردن, وكان يمكن له أن يتخلى عن كل شيء شريطة أن يحتفظ بمملكة مهما صغرت يتأمر عليها مع أسرته التي لاتشبع.
أنا أعرف عن مأزق النا صريين مع الإخوان , وأعرف عن مأزق الشيوعيين التونسيين مع حزب النهضة" الإخوان", وأنا أعرف عن معركة الشعب السوري القادمة مع الإسلاميين لإنجاز الديموقراطية والتعددبة, ولكن ما العمل؟ هل نرضخ لخمسين سنة أخرى أمام طاغية يستعين على شعبه بالإيرانيين وحزب الله والعراقيين والأفغان والشياطين الزرق لا لشيء إلا لأنه يرغب في الاستمرار في حرمان الشعب السوري من أبسط حقوقه التي لم يعدهناك من شعب يرضى بأن يحرم منها.
الإخوة من رائحة عبد الناصر الحلم .نحن لانطالب إلا بالديموقراطية , فهل هذا المطلب بالكثير؟وهل يستحق مثل هذا الشعب هذا التجاهل لدمائه التي زادت عن المئة ألف؟

تعليق



احمد خضر

2013-06-11

لا تؤاخذهم فهم لا يفقهون وما زالوا يعيشون في عصر مذياع احمد سعيد .

رئيس التحرير سحبان السواح

وقال الله لست شريرا كما حولني أتباع محمد

11-تشرين الثاني-2017

سحبان السواح

كنت أمزج السكر بالشاي مستمتعا بلونه الذهبي ومتذكرا حبيبتي التي يمتعها شرب الشاي اثناء ممارسة الجنس معي. لحبيبتي طقوسها الخاصة بالتعامل مع الحالة الجنسية مع شرب الشاي الساخن؛ وكان ذلك...
المزيد من هذا الكاتب

هؤلاء الفرس الظرفاء

11-تشرين الثاني-2017

شكوتك إلى الله

28-تشرين الأول-2017

مقتطفات فيس بوكية

30-أيلول-2017

يحدثونك عن المؤامرة

17-أيلول-2016

مقتطفات فيس بوكية

11-كانون الثاني-2014

الظهور والإختفاء ..

11-تشرين الثاني-2017

المتة إن عزت

04-تشرين الثاني-2017

في معبد عشتار

28-تشرين الأول-2017

الافكار للكبار فقط

21-تشرين الأول-2017

طز .. من محفوظ والماغوط والوز.

14-تشرين الأول-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow