Alef Logo
الفاتحة
              

أنا حمصي وأفخر أنني حمصي

سحبان السواح

2011-11-25

لم تتسع حمص المدينة الصغيرة المحافظة في منتصف الستينات لأحلامي الكبيرة، ولتطلعاتي لحياة ثقافية أكثر حركة وحيوية، فما أن التحقت بجامعة دمشق في العام 1966 لم أعد إليها سوى في زيارات خاطفة لأسرتي. فقد أدمنت الحياة في دمشق، التي أغوتني كامرأة ساحرة لأبقى في حضنها.. مقاهيها، باراتها، ومسارحها، التسكع ليلا في كاباريهاتها، ما لم يغرني فيها سوى جامعتها، أو فلنقل كلية الأدب العربي التي انتسبت إليها، فهجرتها ولم أتخرج حاملا شهادتها إلا بعد عشرة سنين من دخولي إليها.

أمضيت حياتي في دمشق وتزوجت فيها، وأسست أسرة وأنجبت أطفالا، ولم يعد يربطني بها بعد وفاة والدي سوى أخ وحيد بقي فيها كنت أزوره في فترات متباعدة.

لكنني لم أتخل عنها ، بل وأفخر أنها مكان ولادتي، وكنت أول من يروي نكات عن الحماصنة بين الأصدقاء وأضحك بمتعة على كل نكتة جديدة تحكى عنهم. ولكن مسألة العودة إليها والسكن بها فقد كانت غير واردة بعد أن أدمنت الحياة في دمشق.

حمص الآن عاصمة الثورة السورية، يواجه شبابها جيشا معدا ليحارب جيوشا أخرى، لديه من الأسلحة ما يكفي لإبادة مدن وليس مدينة واحدة كحمص، ولكن حمص صمدت، طبعا ككثير جدا من المدن والبلدات الأخرى المقاومة في وجه هذا الجيش، ورجال أمنه، وشبيحته، وظلت مثالا للمقاومة، كما كانت مثالا للنكتة التي تتحدث عن سذاجة أبنائها.
التنوع الطائفي في حمص كبير، وليس من طائفة موجودة في سورية إلا ولها حي خاص بها في المدينة، ولكنها أحياء غير منفصلة بل هي متداخلة ومتشابكة ولم يفكر أحد يوما منذ ما قبل حكم الأسد، بأن انتماؤه لهذه الطائفة أو تلك تعني أنه ليس مواطنا حمصيا، وكانوا يتعاملون مع بعضهم بعضا كأبناء مدينة واحدة متناسين، ومتجاهلين طوائفهم وانتماءاتهم.

حين قامت الثورة، وبدأ التظاهر، والهتاف، والمطالبات التي كان يرتفع سقفها يوما بعد يوم، وبعد فشل النظام بكامل عدته وعتاده إيقاف هذه التظاهرات والنداءات، حاول أن يلعب لعبة الطائفية، وكاد أن ينجح لولا وعي أهل حمص بكافة طوائفهم بأن ما يجري لا علاقة له بالطوائف بل بأشخاص محددين لهم مصالح محددة.

بالتأكيد لا نستطيع القول أن شيئا لم يحصل، حصلت مناوشات، وحالات اختطاف بين الطوائف، وتبادل مختطفين، ولكن ما فشل فيه النظام هو تحويل هذه المناوشات إلى حرب أهلية حقيقية. وهذه نقطة إضافية تجعل من حمص عاصمة للثورة السورية.
طبعا هويتي الشخصية مكتوب عليها |أنني من مواليد حمص، وهذا يدفعني للفخر، ويدفعني للنظر في عيون المسلحين الذين يقفون على الحواجز طالبين هويتي بتحد لأقول نعم أنا حمصي، وأفخر بأنني حمصي، وأكبر ما في خيلكم أركبوه، طبعا لا أقولها بصوت مرتفع، بل ضمنيا وأنا أنظر إليهم ريثما يعيدوا لي هويتي فاسمع صوتهم الداخلي ابن القحبة من حمص ويتجرأ على أن يرينا هويته. ثم يضربون على ظهر السيارة قائلين الله معك.
تسعدني رؤية وجوههم وهم يقلبون هويتي الشخصية، وتجهم سحناتهم، فانطلق مبتهجا أصيح يا حمص يا أم الحجارة السود، ويا أم الثوار البيض.
وأفكر بأبي الذي مات وحلمه الوحيد أن ينتهي هذا النظام، فقد كان معارضا له منذ قام بحركته الانقلابية في ال63، وما تلاها من حركات تصحيحية وتغييرات في قيادات الحزب حتى استلام حافظ الأسد مقاليد البلاد وتسليم مفاتيحها لعائلته في دمشق واللاذقية، وما بينهما يسرحون ويمرحون فيها كما يحلو لهم.


سيتحقق حلم والدي عما قريب، وسأزور قبره المجاور لقبر أمي وأزفهما البشرى لقد زال النظام يا أبي، لقد زال النظام يا أمي، سأفعل ذلك كما كان يفعل حين يفوز مرشح يدعمه حزبه أيام ما قبل البعث حين يأتي إليَّ ليلا ويوقظني من النوم وأنا ابن ال13 عاما ليقول لي لقد فاز مرشحنا فأعانقه فرحا .. ويقبلني بمحبة وفخر.


تلك الأيام ستعود، أعلم أنها تعود متأخرة وأنا في سن والدي حين كان يأتي ليبشرني بفوز المرشحين، ولكن لا باس أن تأتيَ الأشياء متأخرة خير من أن لا تأتي أبدا.

حزني الوحيد أنه ليس لي ولد في الثالثة عشرة من عمره لأوقظه من النوم وأخبره بأننا انتصرنا‘ فولدي صار في عمر يعرف بنفسه أننا انتصرنا، وأننا منتصرون.

وفرحي الوحيد أن ولديَّ، وبقية أبناء هذا الشعب، سيعيشون حياة حرة كريمة دون مذلة من أحد، وسيأخذون حقهم كل بما يملك من مواهب وقدرات، وسيبنون معا ويدا واحدة سورية الجديدة.



أخيرا أنقل ماكتبته سعاد جروس عن حمص على الفيس بوك:

مافي أحلى من الحماصنة ..




عندما اتصلت لأطمئن على أصدقائي الحماصنة وحالهم في البرد وشح المازوت والغاز وانقطاع الكهرباء وصعوبة التنقل و صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية، وضمن السيرة تذكرت أن مالدي من بن شارف على الانتهاء وأنا لا استطيب غير البن الكولومبي من عند السقا في سوق الحشيش الذي بات منطقة خطر..كان كلام مزاح للتعبير عن الحنين لكل ما هو حمصي حتى المسبحة غير شكل من عند ابو شمسو. وكم آلمني نبأ استشهاده ..أجلنا الحزن وانهينا الكلام على أمل تحسن الأحوال.. ولم يخطر ببالي أن يصلني اليوم إلى دمشق بن السقا من سوق الحشيش ((الخطر )) كباقة عطر تهفهف بروائح حمص العدية.

هل هناك ناس أروع وأطيب من الحماصنة؟ شعب لا تمنعه ظروفه القاسية من التفكير بالآخرين ولا تثنيه عن استنسال الفرح من قلب الأسى..










تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

السياسة في بلادي عهر

13-أيار-2017

متاهات الغربة

06-أيار-2017

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow