Alef Logo
الفاتحة
              

لا وجود لمندسين ولا من إمارات إسلامية

سحبان السواح

2011-05-20

ما يقارب الخمسين عاما والشعب السوري محكوم من حزب واحد، تغيرت وجوه، وحصلت انقلابات، وتغيرت قيادات حتى استقر الوضع في العام 1970 مع استلام الرئيس حافظ الأسد للسلطة كأمين عام لحزب البعث الحاكم، خلال هذه الفترة الطويلة تربت أجيال لا تعرف إلا طلائع البعث وشبيبة الثورة واتحاد طلبة سورية.
كان الحزب قد اتخذ قرارا بأن يحول الشعب السوري إلى حزب واحد، هو حزب البعث، ورفض أن يترك له خيارا واحدا باختيار توجه آخر. فما أن يدخل الطفل المدرسة حتى يتلقفه مسؤول الطلائع، وحتى يبدأ بترديد الشعارات: أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ومن ثم الشعار الثاني وحدة وحرية واشتراكية. ويستمر بترديد هذه الشعارات حتى يتخرج من المدرسة الثانوية ويلتحق بالجامعة ليصير تلقائيا عضوا في اتحاد طلبة سورية ويصبح حزبيا دون أن يدري، طبعا هناك كثيرون لم يلتزموا بدفع الاشتراكات وحضور الاجتماعات ففصلوا من الحزب أو جمدت عضويتهم.
لم يترك الحزب فرصة لأحد من تلك الأجيال للتفكير، للاختيار، ولنقل فرصة للحرية.
الشارع السوري الذي يتحرك الآن مطالبا بحرية افتقدها كل هذا الزمان مشكل من هؤلاء الذين تربوا على تصديق كل ما يقوله الإعلام السوري، وتربوا على الخنوع والخضوع وعدم المعارضة.
بين ليلة وضحاها، وتأثرا بما جرى حوله من ثورات شعبية طالبت بحريتها وخلاصها من حكامها المستبدين، أراد هذا الشارع الذي لم يتعلم من السياسة سوى أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة، أن يقول رأيه فخرج مطالبا بالحرية، التي حرم منها منذ ولادته، ولكن وبما أنه كان محروما من تلك الحرية لم يستطع أن يعبر عنها بالشكل الصحيح، وبسبب التكوين المذهبي داخل هذا الشارع غير المثقف وغير الواعي كان لابد من حدوث بعض الأخطاء، وكان لابد من حدوث بعض المخالفات غير السلمية، ولكن من جهة أخرى لم تكن هذه المخالفات واسعة النطاق، كانت نادرة جدا لأن الشعب السوري بطبيعته شعب واع ومثقف رغم كل ما واجهه من ضغوط أمنية.
بعد مرور زمن لم يعد للحزب سوى الاسم، صار حزب البعث صورة وهما موجودا وغير موجود، وتحول الحكم من حكم الحزب الواحد إلى حزب الأمن الواحد وصار الأمن وأجهزته هم من يحكمون. وهؤلاء لا يمكن أن يتخلوا عن مكاسبهم بسهولة، وكان أول ما فعلوه تضخيم تلك الأخطاء التي حدثت في المسيرات باختراع مندسين مدعين أن هؤلاء يطلقون الرصاص على الجيش وعلى قوى الأمن ولابد لاستقرار الأمن من محاربتهم.. محاربة أشباح غير موجودة ومصنعة من قبلهم.
وجدوا المبرر للقمع، لقمع شعب أعزل بالرصاص الحي مستفيدين من رصاصة أطلقت هنا أو هناك من أشخاص يمكن أن تكون لهم ثارات خاصة، وهي حوادث نادرة ولا يمكن تعميمها.
بعض هذا الشارع الذي تربى كما ذكرنا آنفا، صدق رواية الأمن عن المندسين، وهذا سبب انقساما في الشارع بين مصدق لرواية السلطة وبين مكذب لها. وظل السؤال أين تكمن الحقيقة.؟
ضمن كل ذلك، واستغلالا لأمية الشعب السياسية قامت قوى الأمن والجيش باقتحام المدن وقتل المطالبين بالحرية وإلقاء اللوم على المندسين، وزاد الطين بلة أن الشارع السوري شارع مؤمن في معظمه، وكانت المسيرات تخرج من الجوامع، وكان هذا سبب لكي تنتشر الإشاعات عن الإمارات الإسلامية وعن التوجه الإسلامي السلفي للشارع. وسربت معلومات عن امتلاك تلك الجماعات الإسلامية للسلاح، ونيتها بإقامة دولة إسلامية سلفية في سورية جعلت الطوائف الأخرى تخاف على نفسها من إرهاب تلك الجماعات التي هي بالأساس مخترعة وغير موجودة.
بعض المثقفين واجه المعضلة نفسها معضلة المندسين السلفين واصطف إلى جانب النظام، وبعضهم الآخر كان أكثر وعيا وعرف الحقيقة.
اختصرت حالة الشعب السوري في الأشهر الأخيرة في ما كتبت لأصل إلى نتيجة تقول أن هناك مطالبات للحوار من الشعب والسلطة، ولكن هذا الحوار بين من ومن، شعب نسي الفكر السياسي ونسي التنظيم وعاش معظم حياته مكبوتا وحريته منتهكة كيف يمكن أن يحاور ومن سيختار ليحاور عنه، والسؤال الأهم من ستختار السلطة للتحاور معه باسم الشعب.
أختم وأقول (لمن يرغب فعلا في حدوث حوار حقيقي وفعال): أتركوا الفرصة لهذا الشعب ليعيد تنظيم نفسه، ليعيد ترتيب صفوفه، ليجد نفسه، ومن ثم تتكون لديه نخب ولن أقول أحزاب قادرة على الحوار وقتها يمكن للحوار أن يكون مجديا. اسمحوا للشارع أن يخرج بمسيرات سلمية تنادي بالحرية واحموا هذه المسيرات، واسمحوا للشباب أن يلتقوا ويفكروا ويؤسسوا بوادر أحزاب يمكن أن يتم الحوار معها.
أوقفوا الدم المراق أولا، ثم اتركوا فسحة لهذا الشعب كي يتنسم الحرية، ويعبر عنها بالمسيرات السلمية وبعدها يمكن للحوار أن يكون مجديا.
لجميع السوريين بمكوناتهم الطائفية كاملة، أقول أن لا مندسين ولا من إمارات إسلامية ولا من مشاعر طائفية تتحكم بهم، وإنما ما يطالب به من يخرجون للشارع حق مشروع لأي شعب مقموع على مدى خمسين عاما.
وأطلق النداء يا أيها السوريون مالم تكونوا يدا واحدة، مالم تكونوا بعيدين عن الطائفية، ما لم تكونوا محبين لبعضكم بعضا، ما لم تكذِّبوا الإعلام السوري بكل ما يقوله ستخسرون أنفسكم، وستخسرون الفرصة في الحصول على حريتكم.

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

سحبان السواح

سنوات طويلة من القمع مرت على الشعب السوري خصوصا، والعربي عموما.. لم تأت من فراغ.. بل كان مخططا لها منذ زمن طويل.. ولأن الفارق بيننا وبين الأمم المتحضرة أننا نعيش...
المزيد من هذا الكاتب

الربيع العربي الذي لم يكن يوما ربيعا 1

24-حزيران-2017

الجنسُ المُقَدَّسُ .. والجنسُ المُدَنَّسُ.. بينَ ديانةِ السَّماءِ، وديانةِ البَشَرِ.

10-حزيران-2017

وكان لي حبيبة اسمها شام

03-حزيران-2017

ماذا كان سيحدث لو تأجل موت النبي محمد ثلاثون عاما

27-أيار-2017

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

كلكم أصدقاء في المجزرة

24-حزيران-2017

الإيحاءات الجنسية عند المرأة

17-حزيران-2017

جنازتان لا تكفيني ... أين ألواح الأنبياء ؟!

10-حزيران-2017

لعنة أن تعلم

03-حزيران-2017

جثث صغيرة جافّة..

27-أيار-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow