Alef Logo
الفاتحة
              

الإسرائليات .. والإسلام

سحبان السواح

2010-10-15

لم أكتبْ كلمةً في الدِّينِ الإِسلاميِّ أوْ عنهُ، إِلاَّ وكُلِّي إيمانٌ بِأَنَّ ما أكتبُهُ هوَ وَضْعُ حَجَرِ أساسٍ لِلوصولِ بِالدِّينِ الإِسلاميِّ إلى هذا العَصْرِ؛ وإِخراجُهُ مِنَ الجاهليَّةِ الَّتي يُريدُها لَهُ أعداؤُهُ، وهُمْ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ مِنْهُمْ بريءٌ.!.
لمْ يكُنْ قصدِي يوماً أَنْ أُسِيْءَ إِلى الدِّينِ الإِسلاميِّ، أوِ الأديانِ الأُخرَى، والمذاهبِ المُتَفَرِّعَةِ عنْهَا، إِيماناً مِنِّي أَنَّ لِكُلِّ النَّاسِ الحَقَّ في اتِّباعِ ما يَرَوْنَهُ مُناسِباً لِمصلحتِهِمْ، ولِطريقةِ تفكيرِهِمْ، وقناعاتِهِمُ الشَّخصيَّةِ.
وأنا معَ الحريَّةِ الشَّخصيَّةِ، مَنْ يريدُ أَنْ يُؤْمِنَ بِأَيِّ دينٍ سماويٍّ، أوْ غيرِ سماوِيٍّ، فَهُوَ حَقٌّ مشروعٌ لَهُ. وَلَكِنْ ما أنا ضِدُّهُ هُوَ ما جَرَى لِلدِّينِ الإِسلاميِّ مِنْ تحريفٍ، مُنْذُ مَوْتِ الرَّسُولِ، وهذا التَّحريفُ أَدَّى إِلى فِتَنٍ، سفحَتْ مِنَ الدِّماءِ ما لَمْ تَسْفَحْهُ حينَها الفُتوحاتُ الإِسلاميَّةُ مُجتمِعَةً.!.
وكذلكَ، فقَدْ سُفِكَ مِنْ دماءِ المُسلمينَ في العصرِ الحديثِ أكثرَ بِكثيرٍ مِمَّا سُفِكَ في حُروبِهِ معَ الصَّهيونيَّةِ، مُنْذُ تأسيسِها وحتَّى الآنَ.
وكانَ السُّؤالُ يُلِحُّ عليَّ دائماً: كيفَ السَّبيلُ إِلى ذلك.؟. وهَلْ شخصٌ مِثلِي - ليسَ مُخْتَصَّاً في الفِقْهِ - قادِرٌ على أَنْ يُزَحْزٍحَ رُسُوخَ الدِّينِ في عُقولِ أصحابِهِ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ.؟. وكانَتْ إِجابتِي: لا.!. وَلَكِنْ أَنْ تكتُبَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تتفرَّجَ، وَأَنْ تُدْلِي بِدَلْوِكَ أفضلُ مِنَ الوُقوفِ ساكِناً ساكِتاً، ترَى ما يحصلُ، وترى نتائجَ سيطرةِ رجالِ الدِّينِ المُتَشَدِّدينَ؛ وهُمْ يحملونَ تحتَ إِبْطِهِمْ أحاديثَ النَّبِيِّ بِصَحِيحِها وباطِلِهَا، وهُمْ يعلمُونَ ذاكَ الصَّحيحَ مِنْ ذلكَ الباطلِ، وَلَكِنَّهُمْ لا يرتدعُونَ عَنِ استخدامِ الباطلِ لِخدمةِ أفكارِهِمُ السَّامَّةِ، لِيُحافِظُوا على جَهْلِ هذهِ الأُمَّةِ وتَخَلُّفِها، لأسبابٍ ليسَ وقتُ ذِكْرِهَا الآنَ.!.
ما دفعَنِي إِلى ذِكْرِ ما ذَكَرْتُهُ حديثٌ قُدْسِيٌّ مطبوعٌ بِأناقةٍ، ومُؤَطَّرٌ بِصَنْعَةٍ جميلةٍ، يُعَلَّقُ في الأماكنِ العامَّةِ، كمَا عندَ الحلاَّقينَ والمكاتبِ العِقاريَّةِ، وفي أَيِّ مكانٍ لا يعلمُ صاحبُهُ حقيقةَ ما كُتِبَ فيهِ.!.
والأخطرُ مِنْ كُلِّ ذلكَ، أَنَّهُ حديثٌ قُدْسِيٌّ، ومعروفٌ أَنَّ الحديثَ القُدْسِيَّ هُوَ ما رواهُ النَّبِيُّ عَنْ لِسانِ جِبريلَ بِطَلَبٍ مِنَ اللهِ؛ وَهُوَ أعلى مراتبِ الأحاديثِ النَّبَوِيَّةِ.
يقولُ الحديثُ:
"عِنِ النَّبِىِّ (صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ.)، قالَ: " قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ:
يا ابْنَ آَدَمَ:
لا تَخَفَنَّ مِنْ ذِيْ سُلْطانٍ، مادامَ سُلطانِي باقياً، وسُلطانِي لا يَنْفَدُ أبداً.
يا ابْنَ آَدَمَ:
لا تَخْشَ مِنْ ضِيْقِ الرِّزْقِ، وخَزَائِنِي مَلْآنَةٌ، وخَزَائِنِي لا تَنْفَدُ أبداً.
يا ابْنَ آَدَمَ:
لا تطلُبْ غيرِي، وأنا لكَ، فَإِنْ طلبْتَنِي وَجَدْتَنِي، وَإِنْ فُتَّنِي فُتُّكَ، وفاتَكَ الخيرُ كُلُّهُ.
يا ابْنَ آَدَمَ:
خَلَقْتُكَ لِلعبادةِ، فَلا تلعَبْ، وقَسَمْتُ لكَ رِزْقَكَ، فلا تَتْعَبْ، فَإِنْ أَنْتَ رَضِيْتَ بِمَا قَسَمْتُهُ لكَ، أَرَحْتَ قلبَكَ وبَدَنَكَ، وكُنْتَ عِنْدِي مَحْمُوداً.
وَإِنْ لَمْ تَرْضَ بِمَا قَسَمْتُهُ لكَ، فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي، لَأُسَلِّطَنَّ عليكَ الدُّنيا، تركضُ فيها رَكْضَ الوُحوشِ في البَريَّةِ، ثُمَّ لا يكونُ لكَ مِنْهَا إِلاَّ ما قَسَمْتُهُ لكَ، وَكُنْتَ عِنْدِي مَذْمُوماً.
يا ابْنَ آَدَمَ:
خَلَقْتُ السَّماواتِ السَّبْعِ، والأرضينَ السَّبعَ، ولَمْ أَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ، أَيُعْيِينِي رغيفُ عَيْشٍ أسوقُهُ لكَ بِلا تَعَبٍ.؟.
يا ابْنَ آَدَمَ:
إنِّي لَمْ أَنْسَ مَنْ عصانِي، فكيفَ مَنْ أطاعَنِي، وأنا رَبٌّ رحيمٌ، وعلى كُلِّ شَيْءٍ قديرٌ.
يا ابْنَ آَدَمَ:
لا تَسْأَلْنِي رِزْقَ غَدٍ، كما لَمْ أُطالِبْكَ بِعَمَلِ غَدٍ.
يا ابْنَ آَدَمَ:
أنا لكَ مُحِبٌّ، فَبِحَقِّي عليكَ، كُنْ لِي مُحِبَّاً. ".
سَهْلٌ أَنْ تَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ما لَمْ يَقُلْهُ بِلِسانِهِ، ودُوْنَ وَحْيٍ مِنَ اللهِ؛ وَلَكِنْ أَنْ تُزَوِّرَ في الرِّوايةِ عَنْ لِسانِهِ حديثاً قُدْسِيَّاً، يأخذُ بِهِ العامَّةُ مُسَلِّمينَ بِصِحَّتِهِ؛ فهَذَا مِنْ أَخْطَرِ الأمورِ، في الوقتِ الَّذي تكتشِفُ - وأنتَ تبحثُ عَنْ أُصولِهِ - أَنْ ليسَ مِنْ إِسنادٍ لهُ، وهُوَ حديثٌ غيرُ صحيحٍ على الإِطلاقِ؛ فَبينَمَا ترَى الأحاديثَ الَّتي تُزَوَّرُ مُعَنْعَنَةً، ولَهَا رُواةٌ مِنَ الثِّقاتِ؛ تكتشِفُ أَنَّ هذا الحديثَ القدسيَّ الصَّحيحَ، لا راوِيَ لَهُ، ولا سَنَدَ يُؤَكِّدُهُ، ويرفضُهُ العُلَماءُ.!.
ينتمِي هذا الحديثُ إِلى ما يُسَمَّى بِـ" الإِسرائِيليَّاتِ "، وهِيَ أحاديثٌ روَاهَا أَوْ أَلَّفَهَا يهودٌ في مُحاوَلَةٍ مِنْهُمْ، لِيُقْحِمُوا في الدِّينِ ما ليسَ فيهِ. وَهِيَ أحاديثُ كثيرةٌ، مِنْها ما اكتُشْفَ، ومِنْهَا ما لا نزالُ نعيشُ تحتَ كابوسِ تأثيراتِهِ الَّتي يعتمدُ عليها المُتَشَدِّدُونَ الإِسلاميُّونَ، وَمِنْ بَعْدِهِمُ الإِرهابيُّونَ، دونَ أَنْ يستطيعَ أَحَدٌ أَنْ يقولَ إِنَّها أحاديثٌ موضوعةٌ، فَرُواتُهَا ثِقاتٌ، مَرَّتْ عليهِمْ تلكَ الأحاديثُ لِعَدَمِ معرفَتِهِمْ بِاللغةِ العِبريَّةِ أَوْ بِالتَّوراةِ حِيْنَهَا.!.
مِنْ هذا المُنْطَلَقِ، وَمِنْ قاعدةِ اتِّفاقِ المُسلمينَ على وُجودِ أحاديثَ مُلَفَّقَةٍ، وأحاديثَ صحيحةٍ، نستطيعُ أَنْ نمتلكَ الشَّجاعةَ لاعتِبارِ كُلِّ حديثٍ يُؤَسِّسُ لِتَخَلُّفِ المُسلمينَ، وَانْهِيارِ دَوْلَتِهِمْ حديثاً غيرَ صحيحٍ. وعلى هذا الأساسِ، يتوجَّبُ علينا إِعادةُ البحثِ مُنطلِقينَ منَ الشَّكِّ في صِحَّةِ كُلِّ الأحاديثِ، حتَّى تَثْبُتَ صِحَّتُها بِالطُّرُقِ والوسائلِ العِلميَّةِ الصَّحيحةِ.
لَنْ يبقَى إلا جُزْءٌ يسيرٌ مِنْ ملايينِ الأحاديثِ، ومِنْهَا ما كانَ صالِحاً في زمانِهِ، ومَا عادَ صالحاً اليومَ؛ فَلْنَسْتَبْعِدْهُ، ونأخذُ بِمَا هُوَ صالحٌ منها لِكُلِّ زمانٍ ومكانٍ، ونحتفِظُ بِهِ.
بهذهِ الطَّريقةِ فقطْ، نستطيعُ أَنْ نَصِلَ إلى مُوازاةِ الأممِ الأُخْرَى حَضارةً وعِلْماً وتَمَدُّناً. وهذا حَقٌّ مِنْ حُقوقِنا، فَقَدْ كُنَّا في يومٍ ما مالِكِي زِمامِ الحضارةِ؛ وَمَنْ يملكُونَها الآنَ، كانُوا مُتَخَلِّفينَ كما نحنُ الآنَ.
الأمرُ يحتاجُ إِلى رجالِ دينٍ شُجعانَ، قادرينَ على التَّأثيرِ في مُحِيطِهِمْ، ويحملُونَ الرَّغبةَ في الوصولِ بِالمُسلمينَ، وبِالمُجتمعِ الإِسلاميِّ إلى بَرِّ الأمانِ، واضعينَ بعينِ الاعتبارِ الفوائدَ الجَمَّةَ الَّتي يحصَلُ عليها رِجالُ الدِّينِ المُتَمَسِّكينَ بِالأُصولِ، كما جاءَتْ ودُونَ بَحْثٍ، أَوْ تمحيصٍ، لأَنَّهُمْ يعلمونَ أَنَّهُمْ سيخسرُونَ الكثيرَ فيما لَوْ فتحُوا عليهِمْ صُنْدوقَ " بانْدُورا "* بِشُرورِهِ الكامِنَةِ فيهِ.!!.
ـــــــــــــــــــــــــــ
تقولُ إحدى الأساطيرِ اليونانيَّةِ القديمةِ، إِنَّ الإِلَهَ " بْرُومِيثْيُوسْ " كانَ مُكَلَّفاً مِنْ قِبَلِ كبيرِ الآلهةِ " زيوس " بِصِناعةِ الذُّكورِ مِنَ الطِّينِ، ثُمَّ تحويلِهِمْ إِلى كائناتٍ حيَّةٍ. في إِحْدَى المَرَّاتِ، غَضِبَ " زِيُوسْ " مِنْ " بْرُومِيْثْيُوسْ " لأَنَّهُ سَرَقَ ناراً مِنَ الجَنَّةِ؛ فقرَّرَ أَنْ يَخْلِقَ جِنْساً آَخَرَ مُضادَّاً لِلذُّكورِ، فَخَلَقَ امْرأَةً جميلةً، سَمَّاها " باندورا "، ثُمَّ أعطاها صُندوقاً مُحْكَمَ الإِغلاقِ، مليئاً بِالشُّرورِ، وأَمَرَها بِأَلاَّ تفتَحُهُ أبداً، وَلَكِنَّ الفُضولَ دَفَعَ الجميلةَ " بَانْدُورَا " إِلى معرفةِ ما في داخلِ هذا الصُّندوقِ، فَقَرَّرَتْ أَنْ تفتَحَهُ؛ وعندَما فتحَتْهُ، خَرَجَتْ جميعُ الشُّرورِ إِلى العالمِ.
وَمَعْنَى " بَانْدُورَا " الحَرْفِيُّ : ( المرأةُ الَّتي وُهِبَتْ كُلَّ الصِّفاتِ الحَسَنَةِ.). وتذهبُ الأُسطورةُ إِلى أَنَّ " بَانْدُورَا " أُعْطِيَتْ وِعاءً لِتَحْمِلَهُ، وَحُرِّمَ عليهَا أَنْ تفتحَهُ، لَكِنَّها ضَعُفَتْ أمامَ فُضولِها، حتَّى غَلَبَها على أَمْرِها في بعضِ الأيَّامِ، فَفَتَحَتْهُ. فإِذا بجميعِ الأمراضِ تنسابُ مِنَ هذا الوِعاءِ، لِتَتَسَلَّطَ على بَنِي البَشَرِ. وَلَمْ يَبْقَ في الوِعاءِ غيرُ الأملِ؛ فكانَتْ بذلكَ سَبَباً في تبديدِ الخَيْرِ، وَانْتِشارِ جميعِ الآَثَامِ والشُّرورِ!

تعليق



رئيس التحرير سحبان السواح

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

سحبان السواح

أود اليوم أن ابتعد عن صور المجازر التي يرتكبها الأسد ومن لف لفه بحق سورية والسوريين.. ومبتعدا أيضا عن صور القتل والذبح التي يرتكبها كل من داعش ولنصرة لصالح آل...
المزيد من هذا الكاتب

ذكريات من ستينات القرن الماضي

20-أيار-2017

السياسة في بلادي عهر

13-أيار-2017

متاهات الغربة

06-أيار-2017

فاتحة ألف من العدد الأول للمجلة المطبوعة 1/1/1991

29-نيسان-2017

خوان الثورة السورية

22-نيسان-2017

ثم أغلقت صفحة المقال

20-أيار-2017

مهرج الأعياد المحترف...

13-أيار-2017

ميديا .. يا ماما ...ميديا

06-أيار-2017

30 نيسان ذكرى رحيل نزار قباني

29-نيسان-2017

أشلاءُ الطفلِ المَرْمِيَّةُ تحت السرير

22-نيسان-2017

الأكثر قراءة
Down Arrow