خاص ألف
نحن المجانين صنفان: طلقاء في الشوارع، و مسجونون في العصفوريات، وكما تلاحظون؛ هو تقسيمٌ قسريٌّ مفروضٌ علينا و لا يد لنا فيه، إذ لا نعرف متى وكيف يقرر العاقلون تغيير تصنيف أحدنا.
طبعاً معاناتنا كبيرةٌ جراء ذلك، وخصوصاً لناحية انقطاع أخبار المحتجزين في العصفوريات، و لعل أوضح مثالٍ عن هذه المعاناة ما أصابنا في قضية إعدام (أبي فلينة)، و دور (أبي طشت) فيه.
فمن هما أبو فلينة و أبو طشت؟
(أبو فلينة) إنسانٌ تخافه النساء العاقلات، لأنه فجأةً يبصق عليهن في الشارع، و يمشي خلفه الأولاد لسببين: ليرجموه و يغنوا له: "خلي بنتك فلينة تسكر لنا القنينة"، و كي يلتقطوا علب السجائر التي يرميها، فقد كان يسرق علب الدخان من دكاكين العاقلين، مستمتعاً بفتحها و
خاص ألف
المثال الذي يبحث عنه القارئ العربي ولو عن طريق الوراثة أو العدوى هو ذلك الشاعر القمة الذي لا يُضاهى ولا يُجارى، هو شاعر يكتب المقدس ويفض بكارة اللغة على الدوام ولا يتأثر بأحد، وهو الذي يبتكر الفكرة والصورة الجديدة دائماً، ولا بد من أن يكون دائماً أحداً لا شريك له!.
ينطلق لزوم المثال لدى المهتمين بالشعر من تأصل حاجتهم إليه في كل جانب من جوانب حياتهم لضرورة الاستمرار، هي حاجة إلى المثال ولو كان من حكايات الجدات!، فإذا لم يستطع هؤلاء أن يكوِّنوا مثالاً من أنفسهم سيلزمهم بالتأكيد مثال ولو مزيف يعتمدون عليه ويستريحون له، وبهذه الطريقة تصبح حياتهم أشبه بالهواء، فهم لا يبصرون أمامهم
آثرت الشاعرة السورية سوزان ابراهيم أن تتنقّل بين الشعر والسرد، فواظبت هنا وهناك، حيث أصدرت ثلاث مجموعات قصصية، ومجموعة شعرية واحدة سبقت هذه التي نتناولها هنا "كثيرة أنت" (منشورات دار التكوين، دمشق، 2010)، والتي حملت بعضا من أحدث كتاباتها.
المجموعة الجديدة تصور المرأة الداخلية في نسيج الشعر، فسوزان ابراهيم تنتبه أكثر ما يكون الى الرغبة في التعبير عن حالات الأنثى: عالمها الداخلي، ومشاغل روحها، بلغة بالغة البساطة، ولكن بحسبالمعنى الذي يؤشر الى احتمالات عميقة: "بعد خمس وعشرين دقيقة انتظار/ في موقف غير مضاء/ أيقظني سعال الحافلة/ كي لا أغضب/ اتهمتني عقارب الساعة بالتسرع./ سيتأخر الموت إذاً/ خمسا وعشرين دقيقة انتظار".
تذهب سوزان إبراهيم نحو تأمّل مختلف عن "عادات" الشعر الانثوي، التي تتكرّر كثيرا. هي تدخل من نوافذ الألفة مع رؤاها الفردية بمزيج حارّ من الحب والعبث، في محاولة تصوير حالات بالغة الحضور في حياتها: "وحيدة/ ولي ما ليس لهنّ/ شمس تنضج صحوي برفق/ زوج
في حديث لها عن تجربة الكتابة وكتابة التجربة ستجد لدى لينا هويان الحسن حنيناً إلى الذاكرة وحضوراً طاغياً للـ«هناك» حينما تقبض عليها متلبسة بالاشتعال فيصير للجمر توهج ولحبات الرمل رائحة حياة وللريح ملامح حرية تنثر صدى حكايات في أرجاء الصحراء تتشربها بكامل بهائها وهي تلملم التفاصيل باحتفائية على اتساع الصمت وغواية السراب وطغيان الكتمان..
فعلى إيقاع عنوان يقول: «البادية بملامح أنثى» وفي أروقة المعهد الفرنسي للشرق الأدنى بدمشق راحت سفن لينا هويان الحسن الكاتبة والروائية السورية تشق طريقها على صفحات مياه الحنين الهادئة والعميقة في مد وجزر لاستعادة العناوين العريضة وبعض من التفاصيل التي رسمت ملامح تجربة كتابية شكلت علامة في مشهد الكتابة الروائية السورية.
"… وكلّ من يستخدم فنّ «النبوءة» الموحى من عند الآلهة، فإننا قد نجدهم قد تنبؤ لكثير من الناس وفي مناسبات كثيرة عن الطريق السحري فيما يتعلق بمستقبلهم، وهذا كلام لا شك واضح للجميع" (من "محاورة فايدروس لأفلاطون"(1))
في طريق من طرق يثرب قديماً، وبينما كان "حسّان بن ثابت" (شاعر محمد لاحقاً) ماشياً، إذ بسعلاة من الجنّ، ظهرت له، وكان حينها غلاماً : "قبل أن يقول الشعر، فبركت (سعلاة الجن) على صدره، وقالت : أنت الذي يرجو قومك أن تكون شاعرهم؟ قال : نعم". فبقدرة هذه الجنية السحرية وهي فوق صدره، نطقَ أخيراً حسان بالشعر،
خاص ألف
في أيام الصبا كان من حولنا أشخاص لهم قدرة عجيبة على حلّ الخلافات التي تحدث بين الناس. وكان لحضورهم لمسة سحرية تذيب البغضاء وتنشر التسامح والضحكة الصادرة من القلب. كان الناس يطلقون عليهم ألقاباً تشير إلى الخير والصلاح والبركة. كل ذلك تشعر به ما أن يضمك وإياهم مجلس أو أن تلتقيهم في الدروب عن طريق الصدفة, فتستبشر بلقاءهم خيراً وكأنك ترى في وجوههم ومن حولهم هالة نورانية لاتدري ما مصدرها. ومع تقلب الأيام الذي جرى بوتيرة جعلت الحليم فيها حيران, غابت تلك الشخصيات أو ندر وجودها. وبقي السؤال معلقاً, لماذا وأين اختفت تلك الشخصيات وأين حلّت تلك الأنوار؟ ما قادني للحديث الآنف الذكر هو ما وجدته عند قرائتي لعلوم الطاقة الحيوية الذي أعاد تلك الشخصيات إلى ذاكرتي وبدأت أنظر إلى الموضوع نظرة جديدة علمية. فلا شيء يأتي من فراغ والهالة التي كانت
يرمي الشاعر معاذ اللحام في (على مسافة قبلة) بوصلته الشعرية وراءه ماضياً في جهات الشعر الوعرة دون أن يلتفت يميناً أو شمالاً ونصب عينه في التنقيب عن مجاهل ومغاليق الكلمات
كأنه في رحلة استكشافية خطيرة محاطة بالمفاجآت حذراً من أن يقع في فخاخ اللغة ومطبات البلاغة وحفر النثرية السردية الموحلة، هي رحلة في أعماق الأنا إن لم يكن صميمها التي تتلاشى وتتوارى رويداً رويداً خلف الآخر المقابل ليتمازج الاثنان في قالب واحد وقلب واحد وبمشاعر متحدة نضرة تغلب عليها ذاكرة بوح ويوميات عشق تتفجر بالحكايات والمغامرات الخاصة جدا وما تخلفها من حيوات طازجة ينبثق عنها ذلك التناغم التلقائي للصور والمجازات الموحية المرنة الفضفاضة:
خاص ألف
الفضاء الذي لا يمكن استنشاقه سوف يحتويه ،
البحر ، يستر جسده من الشمس بسرعة البرق.
هو لن يقاطع تماسكها المثالي ،
و لا سطحها المعرض للأدوات ،
و لا حتى شعرها الكلاسيكي المتبدل و المضمخ بالرياح –
و الوهم البصري للقيثارة الزرقاء
خاص ألف
لا أجد مبررا ليكون المثقف متواضعا !، أو ان يتمنطق القارئ في النص المقروء. للمثقف ان يطرح وللقارئ أن يقرأ ويبدي رأيه فيما يتعلق بالنص ذاته بعيدا عن ميوله وذائقته المتعلقة بالأدب. أمـَّا أن يصبح الكاتب متثقفا وهذا هو نمط الكاتب المتواضع ( كمصطلح) ،ولا اعني فيما يتعلق بعلاقته اليومية مع أصدقائه (لأنهم أصدقائه أصلا)، فهذا أمر قابل لنقاش مطول .
أن عقدة التواضع التي ينادي بها الكثيرين ممن التقيت بهم أو قرأت عنهم، هي نابعة من الأنا المتضخمة الى حدا ما ، أي الكاتب أو المثقف يبحث في اللحظة تلك عن جمهور ضائع من المفترض ان يركض خلفه رغبة في مصافحته أو أخذ بعض المقولات الجهنمية او الصالحة منه لأنه ذات شأن في كل ما يتعلق بالحياة .. وهذا
- ’يا قداستك، أيُّ العقائد الأفضلُ؟‘
وظننتُ أنه سيقول: ’بوذية التِّبت‘، أو ’الديانات الشرقية التي هي أقدم كثيرًا من المسيحية‘. على إن الدلاي لاما صمتَ قليلا، ثم ابتسم، ونظر إليّ في عيني مباشرة، وهو ما أدهشني لأنني كنت أعلم أن المكر مخبأ في سؤالي. ثم قال:
- ’العقيدةُ الأفضلُ هي تلك التي تجعلك أقربَ إلى الله. هي تلك التي تجعلك شخصًا أفضلَ.‘
ولكي أخرج من حرجي، الذي سببته تلك الإجابةُ الحكيمة، سألته:
- ’وما هي تلك العقيدة التي تجعلك أفضل؟‘ فأجاب:
- ’تلك التي تجعلك: أكثرَ رحمةً، أكثرَ حساسيةً، أكثرَ محبةً، أكثر إنسانيةً، أكثر
خاص ألف
انتهت رحلة العقل ومفهوميه (فوق/تحت) في الجزء الأول من هذه المقالة، عند أرسطو، هل فعلاً انتهت؟!
يبدو أنّ رحلة العقل لم..لن تنتهي....
سيمضي التاريخ قدُماً، فتستلم زمام الأمور أديان انتسبت إلى (الفوق)، إلى السماء بامتياز، تخطّت عالم المُثل الأفلاطونيّة لتتبنّى مفهوماً أشدّ إطلاقاً عن (الفوق)، بات (الفوق) المطلق معها إلهاً راغباً في العلوّ، حتى أنّ رغبة العلوّ اشتدّت فلم تعد مقصورة على السماء(فوق)/الأرض(تحت)، بل فتّتت ثنائيّة ال (فوق/ تحت) السماء الواحدة لتصير سبعاً، والله ساكن أعلاها.
وحيث أنّ إله الفلاسفة مترفّع عن عالم المادة الوضيع، لذلك فهو لا يتدخّل بالتفاصيل